الأحد، 21 أكتوبر، 2012



الماركسية اللينينية الماوية في مواجهة الهجوم على ستالين .

الحلقة الثانية .

تنبه ماو والحركة الشيوعية الماركسية اللينينية عبر العالم مبكرا لحقيقة الهجوم على ستالين وتم فضح ذلك الهجوم من خلال التأكيد على جملة من الحقائق التى سعت التحريفية المعاصرة وسائر الرجعيين الى حجبها تحت ستار محاربة عبادة الفرد يقول ماوتسى تونغ " يوجد في رأيى سيفان احدهما لينين و الأخر ستالين ،نبذ الروس الآن سيف ستالين و التقطه غومولكا وبعض الناس في المجر لطعن الاتحاد السوفياتى ومعارضة ما يسمى بالستالينية و يستخدم الامبرياليون أيضا هذا السيف لذبح الناس به ، و قد لوح به مثلا دالاس لبعض الوقت ، و هذا السيف لم يعر بل رمى ، لم نرمه نحن الصينيون ، و بالنسبة الى سيف لينين الم ينبذ هو أيضا الى حد ما من قبل بعض القادة السوفيات ؟ لقد نبذ في رايى الى حد ليس بالقليل ... هل ما زالت ثورة اكتوبر صحيحة ؟ هل ما زالت تصلح لكل البلدان ؟ يقول تقرير خروتشوف الى المؤتمر العشرين للحزب الشيوعى السوفياتى انه يمكن استلام السلطة بالطرق البرلمانية وهذا يعنى انه لم يعد ضروريا لجميع البلدان التعلم من ثورة اكتوبر ، عندما فتح هذا الباب على العموم ضاعت اللينينية " 7
يشدد ماو على ضرورة الربط الوثيق بين لينين و ستالين ، فهما سيفان لا يمكن الفصل بينهما ، و التخلى عن احدهما  يقود الى التخلى عن الاخر ، يقول ذلك وهو يعرف ان هجوم التحريفيين السوفيات على ستالين انما يعنى في جوهره الهجوم على اللينينية و التراث المجيد لثورة اكتوبر الاشتراكية رغم كل الغبار الذى كان يثيره هؤلاء عند تاكيدهم الوفاء لللينينية .
وقد سارت وقائع الحياة بعد ذلك فى هذا الاتجاه فاعلن التحريفيون انه لا صلة تربطهم بلينين و الماركسية ، فهم ديمقراطيون وكفى ، وعندما سئل آخر اباطرة التحريفية المعاصرة غورباتشوف سنة 1993 : كيف يمكن ان نفهم تصريحاتكم العلنية المتعددة بعد احداث آب بانك شيوعى راسخ العقيدة ؟ اجاب :انتم لم تفهموا بشكل صحيح ، انا كنت ديمقراطيا و ملتزما بالقيم الليبرالية 8
لم يمر الهجوم على ستالين اذن دون مقاومة فقد تجندت الحركة الشيوعية الماركسية اللينينية في القيام بهجوم مضاد سار في مقدمته الرئيس ماو الذى وضع كل ثقله في هذه المعركة فتم فضح التحريفية المعاصرة و الحقت بها هزائم شتى ،و تطورت احزاب ومنظمات ماركسية لينينية مختلفة على قاعدة التصدى لاطروحاتها المضادة للثورة البروليتارية العالمية فاعلن الشيوعيون الماركسيون اللينيون عبر العالم وفاءهم الدائم لستالين واسهاماته في توطيد الاشتراكية و التصدى للصوص الامبرياليين ، ففى احدى الوثائق التاريخية للحزب الشيوعى الصينى يرد ما يلى : " لقد اتهم قادة الحزب الشيوعى السوفياتى الحزب الشيوعى الصينى بالدفاع عن ستالين ، نعم نحن ندافع عن ستالين ، ففى حين يشوه خروتشوف التاريخ وينكر ستالين انكارا كليا ، يقع علينا طبعا واجب لا مفر منه وهو ان نهب لندافع عن ستالين من اجل مصالح الحركة الشيوعية العالمية " 9
و قد اشار الشيوعيون الصينيون بقيادة ماو الى وجود غايات  خفية وراء الهجوم على ستالين فالامر لا يتعلق بمجرد انكار ستالين والوفاء للماركسية اللينينية مثلما زعم التحريفيون الخروتشوفيون و انما التنكر للماركسية اللينينية بأكملها ، يقول النص الذى اخخذ منه المقطع الانف الذكر " ان الحزب الشيوعى الصينى يرى دائما ان الرفيق خروتشوف كان مخطئا كل الخطأ فى انكاره الكلى لستالين تحت ستار ما سمى بمقاومة عبادة الفرد وكانت له مآرب خفية دفعته الى ذلك " 10
كيف تعامل خروتشوف و اضرابه من المحرفين مع مسالة ستالين ؟ يجيب الشيوعيون الصينيون بما يلى " انهم لم يقوموا بتحليل تاريخى علمى شامل لحياة ستالين واعماله ، بل انكروه كليا بدون اى تمييز بين الصواب و الخطأ ، و لم يعاملوا ستالين كرفيق بل عاملوه كعدو ، انهم لم يتخذوا اسلوب النقد و النقد الذاتى لتلخيص الخبرة بل القوا مسؤولية جميع الاخطاء على ستالين اونسبوا اليه الاخطاء التى لفقوها عمدا ... انهم لم يعرضوا الحقائق و لم يناقشوا الامور بل شنوا هجمات ديماغوجية شخصية على ستالين بغرض تسميم عقول الناس " 11
ولم يفت الشيوعيين الصينيين ملاحظة اوجه التطابق بين الهجوم الخروتشوفى والهجوم الامبريالي الرجعى عل ستالين حيث يرد في النص المذكور : " اى فرق هناك بين قدح خروتشوف فى ستالين وبين قدح المستعمرين ورجعى   مختلف البلدان والمرتدين عن الشيوعية ؟ ولماذا يضمر حقدا كهذا ضد ستالين "12
وبالفعل فقد تزامن الهجوم الخروتشوفي التحريفي على ستالين مع كيل المديح لقادة الدول الامبريالية وتلميع صورهم البشعة في اذهان المضطهدين ،وهوما يعنى ان الامر يتعلق بانعطاف حاسم في قيادة الحزب و الدولة في الاتحاد السوفياتى ، فالثورة المضادة تمت و اكتملت فاصبح قادة البروليتاريا وخاصة ستالين مجرمين وسفاحين ، اما الجزارين الدمويين  الحقيقيين فقد تحولوا بقدرة قادر الى مناضلين من اجل الحرية ، يقول نص الشيوعيين الصينيين " وجدير بالذكر على الخصوص انه بينما يقدح قادة الحزب الشيوعى السوفياتى بستالين بكل طريقة ممكنة يولوا ايزنهاور وكينيدى ومن على شاكلتهما كل الاحترام والثقة ، انهم يقدحون في ستالين على انه طاغية من نوع ايفان المرعب واكبر ديكتاتور في التاريخ الروسي و لكنهم يشيدون بكل من ايزنهاور وكينيدى كحائزين على تاييد الاغلبية الساحقة من الشعب الامريكى ... يهاجمون بفضاضة ماركسيا لينينيا عظيما وثوريا بروليتاريا عظيما و قائدا عظيما للحركة الشيوعية العالمية ، ومن الجهة الاخرى يرفعون زعماء الاستعمار باطناب الى السماء ، فهل هناك احتمال بان تكون القلة بين هذه الظواهر قد نشات بمحض الصدفة ؟ أو لا يدل المنطق الذى لا يقبل الشك بانها نشات نتيجة خيانة الماركسية اللينينية "13
 الامر يتعلق فعلا بخيانة تامة للماركسية اللينينية وليس بمجرد اخطاء وانحرافات ذات طابع ثانوى كما يرى ذلك الان انبيلوف وبصورة اقل حدة نينا اندريافا رغم اهمية العمل الذى يقومان به حاليا في روسيا من حيث التصدى للتحريفية و اعادة الاعتبار لستالين فالثورة المضادة لم تحدث في الاتحاد السوفياتى سنة 1991 على يد غورباتشوف ويلتسين وانما قبل ذلك بحوالي اربعين عاما ، ان توضيح ذلك من شانه ان يبدد الكثير من الاوهام ففي الوقت الذى تم فيه اسقاط سيف ستالين كما يقول ماو تسي تونغ كانت التحريفية تقوم بثورتها المضادة للاشتراكية على مختلف الاصعدة .
لا تتمثل المسالة اذن في مجرد رسم خط قطيعة بين لينين وستالين من جهة و التحريفية والخروتشوفية من جهة ثانية, وانما الامساك باستتباعات ذلك على المستوى الاقتصادي والسياسي والنظري ونعني حدوث الثورة المضادة والنتائج المترتبة عنها .واذا كان التحريفيون قد تخفوا لوقت طويل تحت رداء اشتراكي زائف فإن ذلك لا يجب ان يحول دون تمزيق الحجاب الذي تستروا به لاظهارهم على حقيقتهم فقد كان دابهم دائما سلوك هذا الصنيع , فهم لا يظهرون وجههم القبيح الا متى سمحت الفرصة بذلك, الم يمتدح خروتشوف ذاته ستالين ووصفه بانه " صديق حميم ورفيق في السلاح للينين العظيم " وهو " اعظم نابغة واستاذ وقائد للبشرية " و "صديق مخلص للشعب" بل انه ذهب الى حد القول انه " والده" , الم يسلك لين بياو ودونغ سياوبينغ وهوا كوو فينغ وانور خوجة الطريق ذاته في التعامل مع ماو قبل ان يعلنوا انحرافهم بمائة وثمانين درجة على ما كانوا يقولونه هم انفسهم .                   
ان الجبن سمة مميزة للتحريفية في كل البلدان لاجل ذلك شدد ماركس ولينين باستمرار على ضرورة عدم الحكم على الناس من خلال ما يقولونه عن انفسهم وانما ينبغي القيام بتحليل ملموس لافعالهم وممارساتهم لادراك ما لا تنطق به افواههم , يقول نص الشيوعيين  الصينيين :" اذا ما قارن الناس الاقوال التي تفوه بها خروتشوف فانهم يلاحظون انه  قد استدار 180 درجة في تقديره لستالين ."
لقد قاد التحليل الملموس للظاهرة التحريفية الخروتشوفية الشيوعيين الماركسيين اللينينيين مبكرا الى ادراك فحوى الشعار الجميل الذي رفعه خروتشوف :" مقاومة عبادة الفرد"  هذا الشعار الذي اضحى بعد ذلك عزيزا على كل المتآمرين على الماركسية اللينينية الماوية  فما مضمون ذلك الشعار؟ يجيب الشيوعيون الصينيون على النحو التالي :"اولا: ان يضعوا ستالين قائد الحزب بحجة مقاومة عبادة الفرد في موضع معارض لتنظيم الحزب والبروليتاريا وجماهير الشعب.
ثانيا : ان يلوثوا الحزب البروليتاري وديكتاتورية البروليتاريا والنظام الاشتراكي بحجة مقاومة عبادة الفرد.
ثالثا: ان يرفعوا مراكزهم بحجة مقاومة عبادة الفرد ويهاجموا الثوريين المخلصين للماركسية اللينينية حتى يعبدوا الطريق لمدبري المكائد المحرفين لاغتصاب قيادة الحزب والدولة.
رابعا ان يتدخلوا بحجة مقاومة عبادة الفرد في الشؤون الداخلية للاحزاب والبلدان الشقيقة التي تلتزم بالماركسيةاللينينية ويصدعوا الحركة الشيوعية العالمية."15
لقد غدا هذا المضمون الان واضحا بما فيه الكفاية ولكن الامر لم يكن كذلك قبل اربعين عاما,فقد كان زعيق التحريفية يملأ الآفاق حول تمسكها بالماركسية اللينينية ,لأجل ذلك يبدو غريبا اليوم إغماض العين تجاه المقاومة الشديدة التي لقيتها التحريفية في الإبان من طرف الحركة الشيوعية العالمية وفي مقدمتها الحزب الشيوعي الصيني بقيادة ماو,فلماذا يصمت أشخاص مثل نينا اندرييفا وفيكتور انبيلوف إزاء ذلك عندما يتحدثون عن مقاومة التحريفية الخروتشوفية وتوابعها؟ ولماذا يتجاهلون دور الأحزاب والمنظمات الماركسية اللينينية الراهن في هذه المعركة وهي التي أكدت أنه :"بعد موت لينين,خاض ستالين صراعا سياسيا وإيديولوجيا هاما ضد التروتسكيين وغيرهم من العناصر التي كانت تدعي استحالة بناء الإشتراكية في الإتحاد السوفياتي نظرا لتدني تطور قوى الإنتاج ووجود عدد هائل من الفلاحين وعزلة الإتحاد السوفياتي عالميا وتم دحض هذه النظرية الإنهزامية على الصعيدين النظري والتطبيقي خاصة,وذلك عندما هب عشرات الملايين من العمال والفلاحين للنضال من أجل القضاء النهائي على النظام الرأسمالي القديم."16
لماذا هذا الصمت بينما تتم الإشادة بقوى انتهازية لا علاقة لها بالشيوعية مثل حزب العمل الكوري والحزب التحريفي الصيني ؟ حيث تتحدث نينا أندرييفا مثلا عن " تشويه سمعة الإشتراكية في الصين وكوريا الديمقراطية الشعبية وفي فيتنام وفي كوبا.
ألسنا تجاه الخطأ ذاته الذي ارتكب سابقا في النظر إلى التحريفية السوفياتية ؟ هل يمكن أن نتحدث عن إشتراكية في الصين حاليا وكل ما يمارس في هذا البلد يسير في اتجاه مضاد على طول الخط للإشتراكية بعد الثورة المضادة التي قامت بها طغمة دونغ سياو بنغ- هواكو فينغ التحريفية سنة1976 ؟ثم أية إشتراكية تلك التي يجري الحديث عنها في كوريا التي تحولت إلى مملكة يرث فيها الإبن أباه؟
إننا نتمنى أن يكون الأمر مجرد انعدام وضوح رؤية لدى الأحزاب والمنظمات التي تعلن الآن في عدد من البلدان وفاءها لستالين دون أن تذهب إلى الحد المطلوب في استنتاج ما يتبع ذلك من من مواقف, فحزب نينا أندرييفا ليس وحده الذي يعاني من مثل هذا الخلط وإنما يشاركه في ذلك حزب العمال الشيوعي الروسي الذي يقوده أنبيلوف وأحزاب عديدة أخرى منها حزب العمال البلجيكي الذي يعلن التمسك بستالين وماو في نفس الوقت الذي يتحدث فيه عن ضرورة " دعم الاشتراكية التي ما زالت موجودة في الصين والفيتنام " . 17

الأحد، 30 سبتمبر، 2012




حياة ماو تسي تونغ
* هذه السلسلة من خمس حلقات نُشرت في العامل الثوري (أسبوعية الحزب الشيوعي الثوري الأمريكي RCP)، بمناسبة الذكرى المئوية لميلاد قائد الثورة الصينية. و هي تحكي حياة ماو، منذ ميلاده سنة 1893 حتى تأسيس الجمهورية الشعبية الصينية في الصين سنة 1949.عنا نحن
قائد الثورة الصينية و قاهر التحريفية المعاصرة.
الترجمة   :عسو الخطابي

"إن معرفة الرجال الذين تكوًن تفكيرهم و إرادتهم إبان الانقلابات الكبيرة ترفعنا"[1]


الجــــزء الأول: الشاب ماو ثائر في عالم هائج.


1 – ولد ماو تسي تونغ في 26 دجنبر 1893 في شاوشان، وهي قرية صغيرة في إقليم خونان. وقد كانت الصين في تلك الفترة مجتمعا قاسيا بالنسبة للجماهير الشعبية إذ كانت خاضعة للقوى الامبريالية الأجنبية مثل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا العظمى، التي تستغل الشعب، جانية الأرباح من التجارة، وباعثة إليها بجيوشها لحماية بنوكها وشركاتها وتدجين الجماهير. فالبريطانيون خصوصا، أغرقوا الصين بالأفيون وتحدوا الصينيين خلال حربي الأفيون( 1840-1842 و1856-1860) حيث خضع الملايين من الصينيات والصينيين لتأثير هذا المخدر، الذي أغنت تجارته الرأسماليين البريطانيين والأمريكيين. إذ استوردت الصين سنة 1838 أكثر من مليوني كيلوغرام من الأفيون في السنة مما يعادل ما لا يقل عن%57 من مجموع الواردات الصينية.
إن كُل من بريطانيا العظمى وفرنسا والولايات المتحدة وروسيا القيصرية و ألمانيا واليابان قد سيطرت الواحدة بعد الأخرى على الصين، ماسة بذلك مصالح الصينيات والصينيين، بحيث تحكمت في الحياة الاقتصادية والسياسية للبلد، ضاربة الثقافة الوطنية. كما استعمل الإمبرياليون قوة عمل الملايين من الصينيات والصينيين الذين جُنّدوا ونقلوا ليستغلوا بشدة في المناجم والمزارع الكبرى عبر العالم. كما وقَّعت الحكومات الصينية في العديد من المرات معاهدات غير متكافئة تسلم من خلالها مواقع كاملة من التراب الوطني والتزمت بعدم المس بمصالح القوى الإمبريالية عندما تسن قوانين لا تخدمها. وفي نهاية القرن19، كانت الصين في الواقع مجزأة إلى عدة قطع تخضع لمختلف القوى الأجنبية. لتعلن الولايات المتحدة سنة 1899 سياستها المسماة ب " الأبواب المفتوحة" تعترف من خلالها بوجود "مناطق نفوذ" مختلفة في الصين، وتدعي منح "فرص متساوية" لكل القوى الامبريالية التي ترغب في الاستحواذ عليها. وقد استولى الجنود الأجانب بصورة خيالية على كل المدن الصينية الكبرى، عندما كان ماو لا يزال طفلا، بما فيها شانغشا shangsha)) عاصمة خونان. حيث سيطرت السفن الحربية البريطانية والأمريكية بالتدريج على الطرق الملاحية، وتحكمت القوى الأجنبية في المطارات والنظام البريدي والملاحة والسكك الحديدية و التيليغراف.
2– في العقود التي تلت ولادة ماو تسي تونغ، حصلت انتفاضات عدة ضد السيطرة الأجنبية. وقد درس ماو منذ بداية شبابه مسألة انتفاضة الفلاحين، مثل حرب التايبينغ التي جرت بين 1850 و 1864. حيث حملت الفلاحات والفلاحون آنذاك السلاح وأقاموا حكومة ثورية في نانكينغ. ودك المشرَّدون النظام الإقطاعي للملكية، وبدأوا يعارضون أسس الثقافة الرجعية السائدة آنذاك. لكن حكومة مانشو (Mancho) ( من السلالة الحاكمة لشينغ، التي يتزعمها الامبراطور) وبمساعدة الولايات المتحدة وبريطانيا/ وفرنسا أرسلت الجيوش لقمع الانتفاضة. وقد كان تدخل الحكومة سريعا وعنيفا: خلف أكثر من 20 مليون قتيل قبل أن يتم وضع حد لـ "انتفاضة تايبينغ".
كما تعرف ماو كذلك على حركة ييهوتوان (Yihotouan ) أو انتفاضة الملاكمينBoxers)) مع بداية القرن العشرين. هذه الحركة التي انطلقت بمبادرة "جمعية القبضات الباسلة و المتناسقة" ،التي كانت تعارض السيطرة الأجنبية على الصين وخصوصا المبشرين المسيحيين الذين يلعبون دورا مركزيا في تقوية سيطرة القوى الكبرى ،تحت حماية الحكومات الأجنبية والمعاهدات والامتيازات التي أعطيت لهم. وقد تم القضاء على انتفاضة الملاكمين من طرف التحالف المشكل من طرف الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى وفرنسا و الامبراطورية الاسترو-هنغارية، وروسيا واليابان وإيطاليا وألمانيا. التي تدخلت لدعم السلطات الصينية.
«إن الانتفاضات الفلاحية والحروب الفلاحية التي شهدها تاريخ الصين كانت ذات نطاق واسع لا مثيل له في تاريخ العالم. عن هذه الصراعات الطبقية وهذه الانتفاضات والحروب التي خاضها الفلاحون وهي وحدها القوى المحركة لتطور التاريخ والمجتمع الصيني الإقطاعي. ذلك أن كل انتفاضة أو حرب فلاحية كبيرة قد انتهت بأن وجهت ضربة للحكم الإقطاعي القائم في زمنها، وبالتالي دفعت إلى درجة ما، نمو القوى المنتجة الاجتماعية. ولكن نظرا لانعدام قوى منتجة جديدة وعلاقات إنتاج جديدة وقوى طبقية جديدة وحزب سياسي طليعي في تلك الأيام، لم يكن في إمكان تلك الانتفاضات والحروب الفلاحية أن تحصل على قيادة صحيحة كالقيادة التي تقدمها اليوم البروليتاريا والحزب الشيوعي، ولذلك فقد انتهت جميع الثورات الفلاحية إذ ذاك بالفشل، واستطاع الملاكون العقاريون والارستقراطيون استخدامها في كل مرة، في مجرى الثورة أو بَعدها كأداة لاستبدال أسرة ملكية بأخرى، وهكذا فعلى الرغم من حصول المجتمع على كثير أو قليل من التقدم في أعقاب كل صراع ثوري واسع النطاق يخوضه الفلاحون، فإن العلاقات الاقتصادية الإقطاعية والنظام السياسي الإقطاعي بقيت على حالها في الأساس." [2]
3 – شكلت الصين عند بداية القرن العشرين، المكان الذي ساد فيه الفقر المدقع، الأزمة الأكثر دناءة و كذلك الأمراض. ففي المدن، كانت الجماهير تصارع ضد الأفيون، و الكوليرا، و الزهري و السيفيليس كما أن العديد من الفضلات كانت تٌُلقى دون معالجة، و كذلك نظام القنوات. لكن الحياة في البوادي كانت أكثر سوءًا. فالساكنة القروية كانت في معظمها من الفلاحين الفقراء و العمال الزراعيين الذين لا يستلمون إلا أجرا زهيدا من طرف الملاكين العقاريين، و الفلاحين الأغنياء، والموظفين الذين يمتلكون أغلبية الأراضي و يكرسون فقر الفلاحين و جوعهم و ديونهم. مما دفع العديد من العائلات إلى بيع أبنائها نظرا لعجزها عن ضمان شروط عيشهم.
و قد لجأ النظام الإقطاعي المتوحش السائد آنذاك إلى الايديولوجيا الأكثر تسلطا المبنية على تعاليم كونفوشيوس لإيجاد شرعيته. هذه الايدولوجيا التي تهدف قبل كل شيء إلى قمع ظهور أية فكرة جديدة و دفع الشعب إلى القبول بوضعه، إذ تعتبر أن العائلة و كل العلاقات الاجتماعية ينبغي أن تتلاءم مع تراتب دقيق. لكن ماو تسي تونغ كان قد حسم مبكرا مع التقاليد و تمرد عليها، و هكذا عارض الممارسة الكونفوشيوسية التي تتيح للآباء أن يختاروا الأزواج لبناتهم، لتتحولن مذ ذاك إلى إماء لأزواجهن و آبائهم. و منذ أن كان ماو لم يتجاوز بعد سن الثالثة عشرة، رتب له والده زواجا بفتاة عمرها تسعة عشرة سنة لتعمل كخادمة له، حتى يصبح هذا الزواج تاما، لكن ماو رفض نهائيا قرار والده.
4- إن الفلاحين الصينيين يمتلكون إرثا طويلا من التمردات، و قد كبر ماو في سياق تتابعت فيه الإنتفاضات الواحدة بعد الأخرى. فمن سنة 1901 إلى سنة 1910 اشتعلت الصين بما يقارب ألف انتفاضة، استنهضت عشرات الملايين من الأشخاص. و في سنة 1906 ، تعرضت الصين بما فيها خونان للحرب و المجاعة و الدم. و لم يكن ماو سوى تلميذا في المدرسة الإبتدائية عندما حصل حدث قال عنه فيما بعد :« أثَّر على بقية حياتي» ألا و هو انتفاضة خونان. هذه الإنتفاضة التي انطلقت من مناجم الفحم في منطقة كانت المجاعة فيها أشد قسوة، حيث نظَّم الآلاف من المنجميين و الفلاحين و الجنود مسيرة حتى تشانغشا shangsha)) ، حيث استولوا على المستودعات التي يخزن فيها الملاكون العقاريون المحاصيل الزراعية. و عندما ذهب ممثلوهم لملاقاة الحاكم للمطالبة بشيء يأكلونه، أجابهم بسخرية :" كيف يعقل ألا يكون لديكم ما يكفي من القمح؟ أنا، كنت أتوفر عليه بالشكل الكافي!" و قد أغضب هذا الجواب الناس فانتفض عمال المناجم و الفلاحون و الجنود الذين جاؤوا إلى المدينة فحاصروا منزل الحاكم و نهبوا المستودعات التي كان الأغنياء يجمعون فيها ذخائرهم. و اتسعت الإنتفاضة كثيرا، حيث تجمع أكثر من 6000 من عمال المناجم القادمين من مناجم فحم أنيوان (anyauan ) ، أمام مكاتب المقاطعة، و التحق بهم الفلاحون حاملين ألوية ، مطالبين باقتسام الأرض.
و قد أُرسلت الجيوش لقمع الإنتفاضة، و كان الجنود يقومون بقطع رؤوس الناس الذين يتغلبون عليهم و يعلقونهم على الأسوار في الأماكن العامة ليرى الكل ما سيحصل له إذا ما رغب في الإلتحاق بالتمرد. و قد سمع ماو- الذي كان يبلغ من العمر 12 سنة- طبعا، بهذه الانتفاضة و ناقشها مع الطلاب الآخرين. لكنه وجد أن زملاءه كانوا بعيدين عما يحصل، في حين أنه هو تموقع إلى جانب الثوار. و قد شرح فيما بعد : « لقد ناقشت الأحداث طيلة أيام في المدرسة. و قد كنت متأثرا بما يقع. و العديد من الطلاب تعاطفوا مع المتمردين، لكنهم كانوا يظلون في وضعية الملاحظين للأحداث. إذ لم يكونوا يفهمون أن التمرد له أيضا علاقة بحياتهم الخاصة. لم يكونوا في النهاية سوى متفرجين، معنيين فقط بالمظهر المثير للأحداث الجارية. لن أنسى هذا أبدا. كنت أعي أن المتمردين كانوا أناسا عاديين، مثلما كانت عائلتي. و كنت أشعر بالظلم الذي تعرضوا له.»
5-غادر ماو بيت العائلة في سنة 1903 و هو إبن 16 سنة لمتابعة دراسته في هسيانغ هسيانغ، وقد عرفت الصين آنذاك فترة صاخبة من الإنتفاضات في كل مكان. وفي سنة 1905 أسس صان يات صين "التانغ مينغ هاي ( العصبة الثورية) التي كانت تهدف إلى إنهاء السيطرة الأجنبية و بناء الجمهورية الديمقراطية البرجوازية، كما انتشرت حركة التحرر الوطني عبر ربوع الصين، مؤدية بذلك إلى تنامي الإنتفاضة المسلحة. إلى أن أرغم صان يات صين على مغادرة البلاد سنة 1895 ، لكنه واصل تنظيم الحركة الثورية إنطلاقا من الخارج. وفي سنة 1911 اندلعت الثورة ضد سلالة مانشو، و قد وصل ماو إلى شانغشا في شتنبر، أي شهرا قبل اندلاع الثورة. حيث التحق بالجيش الجمهوري الجديد لفترة ستة أشهر قصد الإطاحة بحكومة مانشو. فانتُخب صان يات صين رئيسا مؤقتا للجمهورية الصينية الجديدة. لكنه سرعان ما أُرغم على الإستقالة و ترك الرئاسة لـيان شيه كاي، أحد أمراء الحرب الذي ساهم في إسقاط الإمبراطور. و قد أسس صان يات صين الكيومنتانغ لمعارضة يان شيه كاي و تراجع إلى كانتون. لكن الدول الإمبريالية تحالفت مع يان، حيث زودته بالمال و السلاح. و قد تم دحر التمرد الذي قام ضد يان من طرف عسكر حسن التجهيز، بفضل المال المحصل عليه من الخارج. فظلت الصين مقسمة إلى "ممالك" عديدة، يحكمها أمراء الحرب و جيوشهم الخاصة، طيلة العشر سنوات المتتالية. حيث حاولت مختلف القوى الإمبريالية أن تجعل منهم عملاء لها، بهدف بسط و توطيد نفوذها في الصين. مما سيلائمهم أخيرا، لأنهم هم أيضا كانوا يسعون إلى الاستناد إلى القوى الكبرى للحفاظ و مناطق نفوذهم وتوسيعها.
6- تابع ماو دراسته من 1911 إلى 1918 في تشانغشا إلى أن حصل على إجازته التعليمية، و قد صرح بخصوص هذه الفترة أنه :« لأول مرة في حياتي، رأيت خريطة العالم فدرستها باهتمام بالغ»، فقد درس تاريخ البلدان الأخرى. كما درس كتابات مختلف الفلاسفة مثل آدام سميث، و داروين، و جون ستيوارت ميل، و روسو بالإضافة إلى الفلاسفة اليونانيين، كما تابع بانتظام الصحف التي تأتي من الصين كلها. و لأول مرة قرأ البيان الشيوعي لماركس و انجلس.
و في سنة 1917 أسس ماو "الجمعية الجديدة للدراسات الشعبية"، و هي جماعة من الشباب تعارض استهلاك الأفيون و القمار و استهلاك الكحول و الدعارة و الفساد. و قد ساندت هذه الجماعة "إصلاحا للصين و للعالم أجمع" و من القضايا التي اهتمت بها، ينبغي الإشارة إلى اضطهاد النساء، حيث أن ماو آمن منذ تلك الفترة بأن النساء ينبغي أن يعتبرن و يعاملن كـ"أشخاص مستقلين". و آمن أن الرجال لن يتحرروا أبدا ما لم تتحرر النساء أيضا. فشرعت الجماعة في تنظيم دروس مسائية للعمال، أعطى من خلالها ماو دروسا في التاريخ، ونشَّط مناقشات حول الأوضاع الإقتصادية الراهنة، كما كان يقرأ الجرائد للعمال الأميين. و قد انتقد اللغة المتعجرفة المستعملة في الغالب من طرف الموظفين و المدرسين؛ وأكد على أن الدروس ينبغي أن تعطى بلغة الشعب. إذ نستطيع قراءة هذا في أحد الملصقات التي تخبر بأنشطة الجماعة :" تعالوا لسماع خطابات سهلة و واضحة …يمكنكم ارتداء ما تشاءون".
7- بعد الحرب العالمية الأولى، اعتقد الكثير من الناس في الصين، أنها ستعامل بإنصاف و ستعاد إليها الأراضي التي انتزعت منها، بعد انتصار "الديمقراطيات الغربية". لكن، عندما اجتمعت القوى الظافرة لإعادة اقتسام العالم في مؤتمر فيرساي، تم تحويل الحقوق و الامتيازات حول الأراضي الصينية التي كانت تطالب بها ألمانيا إلى اليابان. فتظاهر 3000 طالب في بكين يوم 4 ماي 1919 احتجاجا على هذا القرار. فأعلن القانون العرفي و لجأت الشرطة و الجيش إلى اعتقالات عديدة. لكن المظاهرات تواصلت، و أدت إلى تشكيل جبهة موحدة ضد الإمبريالية و أيضا ضد أمراء الحرب الذين يخونون و يبيعون الشعب الصيني تماما. و في العاشر من ماي عرفت المدارس إضرابا عاما، و في 2 و4 يونيو اعتقل العديد من الطلاب و المدرسين. و في 6 يونيو امتد الإضراب الذي اندلع في شنغهاي إلى جهات أخرى أكثر بعدا. و قد تأثرت بالإضراب مئات الشركات التي تضم حوالي 90000 عامل و عاملة (و قد كانت العاملات مشاركات بكثرة في هذه الحركة). و عندما علم ماو و أعضاء جماعته الآخرون بوجود هذه الحركة (التي تسمى باسم "حركة 4 ماي" ) أصدروا نداءً هم أيضا إلى الإضراب، و شكلوا جمعية للطلبة و الطالبات في خونان. هذه الحركة التي كانت أساسا موجهة ضد الإمبريالية. امتدت عبر الصين كلها طيلة سنة 1919. مؤدية إلى تسييس ملايين الأشخاص. لكنها و مثل ما حصل سنة 1911 ، كانت تفتقد إلى قيادة عمالية و ظلت محدودة من حيث أهدافها.
« للقيام بالثورة ينبغي حزب ثوري، بدون حزب ثوري مؤسس على النظرية الماركسية اللينينية و الأسلوب الثوري الماركسي اللينيني، يستحيل قيادة الطبقة العاملة و الجماهير الشعبية الغفيرة إلى النصر في صراعها ضد الإمبريالية و عملائها»[3] .
8- في سنة 1917، أطاحت الطبقة العاملة الروسية بالقيصربة و بنت لأول مرة في التاريخ دولة اشتراكية جديدة مبنية على ديكتاتورية البروليتاريا. و قد أعاد هذا النصر الدفئ إلى قلوب المضطَهَدين(ات) عبر ربوع العالم، فبلغ "دروس" الثورة الروسية للصين. فتحول المناضلون و المناضلات الذين كانوا نشيطين في التمردات التي تتابعت فيها إلى الاشتراكية، كما قال ماو:«شرارات الثورة الروسية …حملت إلينا الماركسية اللينينية». و قد كان لي تاشاو أول اختصاصي صيني ينشر الثورة الروسية و الماركسية في الصين. و في 1918 أصبح ماو مساعدا له في مكتبة جامعة بكين و أُدمج ماو في "جماعة الدراسات الماركسية" من طرف لي؛ و هنا بدأ في مطالعة ترجمات مؤلفات ماركس و لينين قائد الثورة الروسية. وقد صرح ماو أنه:«بتوجيه من لي تاشاو، تعودت بسرعة على الماركسية».
دائما في بكين، أحب ماو يانغ كاي هوي و تزوجها. و كانت يانغ ثورية، و بقيت كذلك إلى أن اعتقلت و قتلت من طرف الحكومة سنة 1930، بعد أن رفضت التخلي عن أفكارها و نشاطاتها و زواجها من ماو. و في أبريل من العام 1919، عاد ماو إلى شنغشا للتدريس و قد عمل هناك خصوصا على تنظيم العمال في المعامل و السكك الحديدية. و كان أول من حمل الماركسية إلى خونان، و شكل في شنغشا أول جماعة لدراسة الماركسية في الإقليم. و قد كتب عددا من المقالات حول الوضع العالمي تختلف عن العادات القديمة، و تنادي بالثورة. كما كان أول الدروس التي ألقاها تحت عنوان "الماركسية و الثورة" خُتم بخلاصة مفادها أنه فقط بدراسة الماركسية يستطيع الشعب الصيني التخلص من الورطة.
«في صيف 1920، أصبحت ماركسيا في النظرية، و أيضا، إلى حد ما، في الممارسة. و انطلاقا من هذا الوقت اقتنعت بأن الماركسية تقدم تفسيرا صحيحا للتاريخ، فلم أتردد أبدا بعد ذلك» ماو تسي تونغ.
9- تدخل ماو باكرا لفضح العلاقات الإقطاعية و الكونفوشية التي تضطهد النساء في الصين، فانضمت العديد من النساء إلى الحركة الثورية، و في 14 نونبر 1919، قطعت امرأة حنجرتها عندما حاولوا إرغامها على الزواج بالقوة، و اعتبر ماو أن« النساء يمتلكن طاقة ثورية هائلة» باعتبار أنهن «ينبغي أن يحملن على أكتافهن عبء اضطهاد أكثر من الرجال، إذ بينما يواجه هؤلاء "ثلاثة جبال"من الإستغلال ، تواجه النساء أربعة لأن الرجال يستغلونهن أيضا».
و في سنة 1920، أصبح واضحا بالنسبة لماو أن حلقات دراسة الماركسية لم تعد كافية في حد ذاتها و أن الشعب الصيني في حاجة إلى حزب طليعي حقيقي. و قد كلف لي تاشاو، ماو ، نظرا لإدراكه لكفاءته التنظيمية، بالبدء في اختيار أعضاء من أجل بناء حزب شيوعي جديد. و في فبراير 1920، قدم ممثلان عن الأممية الشيوعية إلى بكين للنقاش مع لي تاشاو حول العمل الذي ينبغي القيام به لبناء الحزب. منذ ذاك خصص ماو مجمل وقته للَمّ الناس لتنفيذ هذه المهمة. و قد قال أنه ينبغي :« أن نختار بدقة أناسا متسمين بالصلابة، و رفاقا مخلصين». و قد قام ماو، بمعية رفاق آخرين، بتشكيل حلقة دراسية حول روسيا، و نظم حلقات طلاب كانوا قد ذهبوا للعمل و الدراسة في هذا البلد. و في نهاية نفس السنة شكل ماو في خونان فرعا لـ"مركز الشبيبة الإشتراكية"، الذي أصبح بعد سنتين أكبر منظمة من هذا الصنف في الصين، حيث ضمت أكثر من 2000 عضو. و انتشرت المنظمة و الصحافة الشيوعية بصورة مذهلة في جهات عديدة أخرى. فكان الشباب الشيوعي ينظمون الدروس المسائية لفائدة العمال و العاملات و يساعدون على خلق النقابات في المدن الكبرى. و في أبريل 1920، كانت حلقات دراسة الماركسية تشتغل في أغلبية المدن الصينية، و كذلك في باريس و و برلين و موسكو و اليابان، التي نجد فيها جالية صينية مهمة.
10- و في ماي 1921: غادر ماو بمعية صديق له، شانغشا متنكرا في هيئة تاجر، قصد الذهاب إلى شانغهاي حيث سيعقد المؤتمر التأسيسي للحزب الشيوعي الصيني (PCC ). و قد كان يوجد في الصين حوالي 57 ماركسيا؛ و كانت أكبر مجموعة تتشكل من 16 شخصا، و كانت في خونان و مان لكل إقليم نُظمت فيه حلقات الدراسة الحق في إرسال مندوبين إلى المؤتمر ليصل المجموع إلى 12 شخصا. و قد كان هؤلاء في الغالب من الشباب لا يتجاوز معدل سنهم 26 سنة. فانطلقت أشغال المؤتمر يوم 16 يوليوز في مدرسة للفتيات في ?و_آي (po-ai ). و نظرا لأن الظرف كان ظرف عطلة فلم يكن هناك أحد سوى عامل مطبخ تكلف باستقبال المندوبين(ات). و بالرغم من الإحتياطات التي تم اتخاذها، فقد علمت الشرطة بانعقاد هذا الحدث، و في اليوم الرابع من المؤتمر و في الوقت الذي كان فيه المندوبون مجتمعين لمواصلة المناقشات، انزوى شخص مشبوه في مدخل المحل الذي ينعقد فيه الحدث للإستفسار عن اجتماع آخر كان من المفترض أن ينعقد في عين المكان… و بشعورهم بالفخ سارع المندوبون إلى مغادرة المكان، و بعد دقائق وصلت الشرطة رفقة 9 أشخاص مدنيين. ففتشوا المكان، لكن المندوبون كانوا قد غادروه مصحوبين بوثائقهم. فتابع المؤتمر أشغاله على ظهر سفينة اكتراها المندوبون، على بعد 130 كلم من شنغهاي.
و قد تميز المؤتمر الذي دام ثمانية أيام، بمناقشات عدة، وصراعات خطوط و اختلافات مهمة. فبعض المندوبين دافعوا عن موقف يميني محافظ يعتبر أن الطبقة العاملة لازالت "مفرطة الصغر" و أنها "ليست مهيأة بعد" لتشكيل حزب شيوعي. و كان هؤلاء المندوبون يرغبون في استمرار حلقات النقاش الماركسية. بينما دافع مندوبون آخرون عن خط "يساري متطرف" "ultragauchiste"، يعارض كل أشكال النضال الشرعية و كذلك كل أشكال الوحدة مع أحزاب أو منظمات طبقة أخرى. و ماو لم ينضم لأي من هذين الإتجاهين. لكن بعد عدة أيام من المناقشات تمكن الإتجاه "اليسراوي" من التفوق، و قد صوت ماو ضد القرار النهائي (البيان الختامي) الذي تبناه المؤتمر لكونه يعارض بناء وحدة واسعة و يحصر الإنضمام إلى الحزب فقط في العمال و العاملات، و يحرمها على الأشخاص القادمين من طبقات أخرى و الذين يتبنون إيديولوجية البروليتاريا. و رغم ذلك فقد تم انتخابه أمينا للمؤتمر و بعد ذلك، أصبح رئيس فرع خونان للحزب الشيوعي. إذن فالفلاحون و الطبقة العاملة أصبحوا يمتلكون حزبا طليعيا و نظرية ماركسية، و هما الوسيلتان الضروريتان ليستطيع الشعب المرور من العصيان إلى الثورة، و ليستولي عند الإقتضاء على سلطة الدولة.
——————————————————————————–
 [1] لينين: مقدمة الترجمة الروسية لرسائل ماركس - كوغلمان.
[2] . ماو وتسي تونغ " الثورة الصينية والحزب الشيوعي الصيني" دجنبر 1949 المؤلفات المختارة المجلد الثاني

الجزء الثاني: بدايات الثورة الصينية
  
1- في يوليوز 1921، و مباشرة بعد تأسيس الحزب الشيوعي الصيني عاد ماوتسي تونغ إلى خونان حيث عمل على خلق أول نقابة عمالية شيوعية. و باعتباره رئيسا لفرع خونان للحزب الشيوعي الصيني بهذا الإقليم اهتم بتجميع العمال. فالتجأ إلى مناجم الفحم بأنيوان anyuan . جنوب الإقليم، حيث تتوفر تقاليد عريقة من الإضرابات و النضالات. فعمال المناجم مرغمون على العمل مدة 14 حتى 15 ساعة في اليوم، مقابل أجرة ثمانية سنتات (أجرة هزيلة). وقد شكل ماو مدرسة ثورية من أجلهم بحيث أنه طيلة سنوات عديدة أعطت مناجم أنيوان أعدادا هامة من الكوادر للحزب. كما نزل ماو إلى الآبار للتحدث إلى العمال حول أوضاعهم المعيشية و و حول ضرورة الثورة، كما زحف عبر الأنفاق الضيقة التي يدفع عبرها أطفال صغار العربات المليئة بالفحم. كما ذهب لزيارة الأكواخ القذرة التي يُرغَم العمال على السكن فيها، مسجلا بعناية كل ما يقولونه له بخصوص أوضاعهم المعيشية. و يستغل ذلك لإقناعهم ليسعوا لتملك مصيرهم. إذ يقول لهم دائما:« التاريخ بين أيديكم، فلتصنعوا التاريخ».
لقد سافر ماو كمناضل شاب عبر الإقليم كله لتنظيم النقابات و خلق خلايا الحزب في المعامل الرئيسية. إلى أن انتُخب رئيسا لفرع "الفيدرالية العمالية للصين" بخونان سنة 1922 بعد أن اندمجت 20 نقابة. حيث شكل العمال مجالس ثورية، تهتم بالحياة الثقافية، بالتربية، بالرفاهية و الأمن. فأصبح شعار "السلطة للطبقة العاملة" شعارا شعبيا. إذ بينما لم يكن الحزب في سنة 1924 يضم سوى 500 عضوا، وصل العدد ثلاث سنوات بعد ذلك إلى 58000 شخصا. أما الفيدرالية العمالية للصين فقد كان عدد أعضائها، في سنة 1925 حوالي 450.000 عضوا و بعد سنتين أصبحت تضم مليونين و نصف المليون من الأشخاص.
Ø 2-و في فبراير 1925: كان ماو ينتقل من قرية إلى أخرى، و يعيش مع الفلاحين و يعمل معهم، منصتا إلى شكاويهم، و مجريا تحقيقات مباشرة حول وضعيتهم الحقيقية. و كان يؤسس إتحادات الفلاحين و يختار أيضا فلاحين للحزب. و خلال هذا الوقت بينما كانت الإضرابات و المظاهرات تندلع في المدن ضد السيطرة الأجنبية ، كانت نضالات الفلاحين و الفلاحات في الأرياف أيضا في أوجها. ففي عدة مناطق رفض الفلاحون أداء الأكرية الباهظة التي تُطلب منهم و هاجموا الجُباة. و قد صادروا الأراضي و شكلوا ميليشيات لمقاومة الملاكين العقاريين و جيوشهم. و في إحدى المدن، عندما تم سجن المكترين لعجزهم عن دفع أكريتهم، اجتمع 6000 من الفلاحين و الفلاحات، أمام محلات الإدارة العامة. إلى أن تم اطلاق سراح رفاقهم أخيرا. و قد شكات هذه الحادثة عبرة في الإقليم كله. و في شهر غشت أسس ماو أول فرع فلاحي للحزب، اجتمع في مخزن والديه في شاوشان, .لقد اهتم ماو حقا بعمل الحزب وسط الفلاحين، حيث أكد على القول بأن قلب الحركة الثورية هو الريف، الذي يشكل الفلاحون الفقراء 70% من ساكنته. وفي يونيو 1926، أصبح عدد أعضاء الجمعيات الفلاحية عبر الصين كلها ما يقارب ملين شخص و بعد عام من ذلك بلغ العدد أكثر من عشر (10) ملايين فلاح و فلاحة. و قد كان بعض قادة الحزب يعارضون العمل التنظيمي وسط الفلاحين، فـ"تشين توسيو"، الذي كان يمثل الجناح اليميني، كان يعتقد أن الفلاحين " محافظون ومتخلفون " عن الإنضمام إلى الشيوعية. أما آخرون مثل شانغ كيو طو و لي لي سان فقد كانوا يعتبرون، انطلاقا من وجهة نظر "يسراوية" أن الطبقة العاملة قوية بما فيه الكفاية للقيام بالثورة لوحدها، و أن الحزب الشيوعي ينبغي أن يتخلى عن العمل وسط الفلاحين، لكن ماو من جانبه كان يؤكد على أنه بما أن الفلاحين يشكلون الأغلبية الكبرى من ساكنة الصين، فإن الطبقة العاملة ينبغي أن تتخذهم حلفاء لها، و أن هذا شرط من أجل تحقيق الثورة. فقد أدرك ماو الدور المركزي للفلاحين و للحركة الفلاحية في الثورة الصينية، فكان يقول أنه:«بدون الفلاحين الفقراء، لن تكون هناك ثورة. و نفي دور الفلاحين هو نفي للثورة. و مهاجمتهم مهاجمة للثورة» و قد استمر الصراع داخل الحزب حول مسألة دور الفلاحين و أهمية المسألة الزراعية لوقت طويل.
Ø 3-و في يونيو 1923 ، بمناسبة انعقاد المؤتمر الثالث للحزب الشيوعي الصيني ، انتخب ماو عضوا في اللجنة المركزية. واتخذ الحزب قرار تشكيل جبهة موحدة مع حكومة الكيومنتانغ التي يتزعمها صان يات صين، و مساعدة الوطنيين على تشكيل جيش لمواجهة أمراء الحرب و القوى الإمبريالية. و قد كان الإتحاد السوفياتي أيضا يدعم الكيومنتانغ، مساعدا إياه خصوصا على خلق أكاديمية عسكرية في وامباو (wampao ) مخصصة لتعليم و تدريب الجنود و الضباط. لكن على عكس البعض من داخل الحزب مثل تشين توسيو، الذي كان يعتبر أن "الوحدة أهم من أي شيء"، كان ماو يدافع عن فكرة مفادها أنه ينبغي للحزب أن يحافظ على استقلاليته المطلقة حتى داخل الجبهة الموحدة، و أن يؤَمّن قيادة الطبقة العاملة و الفلاحين. لقد نبه الشيوعيين إلى أن الثورة ينبغي أن ألا تترك في أيدي الكيومنتانغ. و تنفيذا لخط الحزب انضم ماو إلى الكيومنتانغ و اعطيته مهمهة الربط بين المنظمتين.
و في سنة 1925 ، يعد وفاة صان يات صين، تولى الحكم على رأس الكيومنتانغ شخص يعادي الشيوعية و الثورة و هو تشانغ كاي تشيك. إذ أعلن مجلسه التنفيذي المركزي، في مايو من نفس السنة، أنه قرر خطة عسكرية في اتجاه شمال البلاد يهدف دحر أمراء الحرب هناك و توحيد الصين. لكن تشانغ كاي تشيك حتى في سعيه إلى إزاحة أمراء الحرب عن مواقعهم لم يكن يهدف إلى وضع حد للإضطهاد و الإستغلال الذي كان يتعرض له العمال و الفلاحون. إذ كان مدعما من طرف الدول الإمبريالية الأكثر قوة التي كانت تريد من خلال تدخلها الحفاظ على الصين كبلد شبه مستعمر. إن تشان كاي تشيك رغم زعمه الرغبة في الحفاظ على الجبهة المتحدة مع الشيوعيين – فقد كان يردد شعارات من قبيل "عاشت الثورة العالمية" و أيضا "فليسقط الإمبرياليون!"-، لكنه لا يقوم إلا بإعداد هجوم دموي ضد الحركة الشيوعية.
Ø 4- في 20 مارس 1926، ألقى تشانغ كاي تشيك القبض على 25 شيوعيا و سَجَنهم في الأكاديمية العسكرية في "وامباو". و في كانتون، كما تمت مباغتة المقر المركزي للنقابات العمالية، حيث جرى اعتقال القادة أيضا. و تم تفكيك لجنة الإضراب و صودرت أسلحتها و مؤونتها من طرف السلطات القمعية. كما قامت فرق الكيومنتانغ، و الشرطة و الفصائل الخاصة المسلحة المشَكَّلة لهذا الغرض بدوريات في الشوارع. وأعلن الكيومنتانغ في 14 ماي القانون العرفي. و في هذا الظرف الصعب، أخفق الحزب الشيوعي في انجاز المهمة التي كان مفترضا أن يقوم بها و هي تنظيم هجوم مضاد كبير. و تحت تأثير تشين توسيو و خطه "الوحدة بأي ثمن" و بالخضوع للكيومنتانغ، أمر الحزب قادته بـ"ضبط" العمال و اتقاء أي "تجاوز"، فظل العمال إذن عزلا في مواجهة القمع. و في الأرياف، بدأ الملاكون العقاريون الكبار و جيوشهم في التقتيل الممنهج لزعماء إتحادات الفلاحين.
و في 15 ماي، اقترح تشان كاي تشيك حلا خاصا يقلص دور الشيوعيين داخل الكيومنتانغ. إذ طالب بالحصول على لائحة الشيوعيين أعضاء الكيومنتانغ، كما اشترط مصادقته المُسبَقة على التعليمات التي يصدرها الحزب الشيوعي إلى أعضائه قبل أن توزع! و قد قبل تشين توسيو و الحزب الشيوعي هذه الإجراءات التي أملاها تشيانغ كاي تشيك. لكن ماو اعترض عليها بشدة. إذ كان يعتقد عن صواب أن الشيوعيين قد أُرغموا على الإنكشاف للعموم، ليتم اعتقال العديد منهم و يعدموا في الحال. و قد تحول الكيومنتانغ باتخاذه لهذه الإجراءات بالفعل،-دائما حسب ماو- من حزب وطني يضم عناصر ثورية إلى أداة للثورة المضادة في خدمة ديكتاتورية عسكرية جديدة.
و في يوليوز من نفس السنة، شن الجيش الوطني، تحت قيادة تشيانغ كاي تشيك حملته على الشمال (المعروفة باسم "حملة الشمال" "l expédition du nord" )، شارك فيها عدد من الشيوعيين ضد أمراء الحرب، فحققت هذه الحملة نجاحا ملحوظا. وذلك في جزء كبير نتيجة المشاركة الواسعة للعمال، الذين أشعلوا الإضراب في المدن، و الفلاحين الذين انتفضوا في الأرياف. و قد شكل العمال جيوشا شعبية (ميليشيات) و باغتوا مواقع أمراء الحرب. كما استولى الفلاحون على مراكز الشرطة ليعطوا دعما لوجيستسكيا مهما للجيش الوطني، إذ عملوا كمرشدين، كسعاة بريد، و كناقلي جرحى و مزودين الجيش الوطني بالماء و المؤونة، و قد تكلفت ميليشيا الفلاحين يإدارة القرى بعد انصراف أمراء الحرب، و في أقل من شهرين سقطت كل من أقاليم كيانسي، و خونان، و هوبي في أيدي الجيش الوطني.
2- و في دجنبر 1926، عاد ماو إلى شانغشا، بمناسبة انعقاد أول "مؤتمر لعمال و فلاحي خونان"، حيث انتُخب رئيسا له. و أسس "الفرع الفلاحي" للحزب الشيوعي الصيني و دون عدة تقارير تقدم نتائج التحقيقات التي أجراها، هذه التقارير التي تُظهر جيدا إلى أي حد يضطهد الملاكون العقاريون الفلاحين. و قد أكد فيها ماو على أهمية انتفاضات الفلاحين، و أكد خصوصا على ضرورة تثبيت قيادة شيوعية. و قد قال في هذا السياق :«لقد قُمعت الحركة…و السبب هو أن الجماهير لم تكن منظمة بالشكل الكافي، و أنها كانت تفتقد إلى القيادة اللازمة لها…و هو ما جعل الحركة فاشلة منذ البداية». بدأ الكيومنتانغ في قمع إتحادات الفلاحين في شهر شتنبر من سنة 1926. لكن رغم هذا انتقل عد أعضائها من مليون إلى مليونين من العائلات في ظرف شهر واحد، من نونبر إلى دجنبر. و في بداية سنة1927 شُكّلَت اتحادات فلاحية في 54 إلى 75 مقاطعة في البلاد.
و بدأ الفلاحون بمبادرة منهم في مصادرة الأراضي و معاقبة (و أحيانا تصفية ) الموظفين الأكثر فسادا و فظاظة. و عندما بلغ نبأ إنتفاضات الفلاحين هذه إلى المدن، أثار ضجة كبيرة، فالعديد من الأشخاص حتى الذين يدعون بالثوريين، اعتبروا أن هذه الحركة كانت "رهيبة". لكن ماو تسي تونغ على العكس من ذلك، نظر إليها من وجهة نظر محبذة:« إذا كنتم ثوريين حقا، و إذا كنتم تعاينون ما يجري في الأرياف و ما يجري حولكم، ستكونون بدون شك أكثر تحمسا مما كنتم. فالآلاف و الآلاف من العبيد و الفلاحين ينهضون ليصرعوا أعداءهم؛ و ما يفعلونه صحيح بالطبع». و في هذه الفترة كتب ماو مقولته الشهيرة: «إن الثورة ليست مأدبة و لا كتابة مقالات و لا رسم صورة و لا تطريز ثوب، فلا يمكن أن تكون بمثل تلك اللباقة و الوداعة و الرقة، أو ذلك الهدوء و اللطف و الأدب و التسامح و ضبط النفس. إن الثورة انتفاضة و عمل عنف تلجأ إليه إحدى الطبقات للإطاحة بطبقة أخرى. و ثورة الريف هي ثورة تطيح بها طبقة الفلاحين بسلطة الملاكين العقاريين.
فالأعمال التي قام بها الفلاحون مشروعة و ضرورية جدا و ذات مغزى ثوري في المرحلة الراهنة…».[1]
«يستحيل على حزب يقود حركة ثورية كبيرة أن يحقق النصر إذا لم يكن مسلحا بنظرية ثورية، و لا ملما بمعرفة التاريخ ، و لم يكن لديه فهم عميق للظروف الفعلية للحركة ».
6- في مارس 1927، كتب ماو " تقرير عن تحقيقات حول حركة الفلاحين في خونان" مقدما الخلاصات التي استنتجها من السفر لمدة خمسة (5) أسابيع قضاها في قرى هذا الإقليم.وقد فرض هذا التقرير نفسه كنموذج للتحليل الثوري: إذ طبق ماو الماركسية على تحليل الأوضاع الملموسة بخونان بحيث عمل على تطوير استراتيجية و تكتيكات صحيحة لقيادة الثورة. فالتقرير المعني كان يرد بالإضافة إلى ذلك على أولائك الذين، من داخل الحزب، كانوا يعتبرون أن انتفاضات الفلاحين كان لها طابع "مفرط"، بأنه :« بعد زمن قليل سوف نرى مئات الآلاف من الفلاحين يقاومون، مندفعين،لا يقهرون/ مثل الإعصار، و لن تستطيع أية قوة إيقافهم. و سيكسرون كل أغلالهم و يرتمون في طريق التحرر. و سيحفرون قبر كل الإمبرياليين و أمراء الحرب، و الموظفين الفاسدين و المُختلسين و الطغاة المحليين و النبلاء الأشرار. و سيمتحنون كل الأحزاب الثورية و كل الرفاق الثوريين، الذين سيكون عليهم الإشتراك. هل نتزعم الفلاحين و نقودهم؟ أم نبق خلفهم مكتفين بنقدهم بقوة إشارات آمرة؟ أم نقف في وجههم و نصارعهم؟ فكل صيني حر في اختيار إحدى هذه الطرق، لكن الوقائع سترغم كل واحد أن يقوم بسرعة بهذا الإختيار؟[2].
في الأماكن التي تشكلت فيها اتحادات الفلاحين، أصبحت القوة الوحيدة التي تمارس السلطة. فالناس الذين لم يكونوا يملكون أي شيء نهضوا و بدِوا في أخذ السلطة في أيديهم. و هدفهم لم يكن تدمير النظام الإقطاعي القديم و فقط، بل أيضا تنظيم القرى و وضع شيء جديد مكان المجتمع القديم. إن تقرير ماو كان يشير في هذا السياق إلى أن الأماكن التي كانت فيها اتحادات الفلاحين أكثر قوة ، زالت منها فعليا كل ألعاب القمار و قُطاع الطرق و استهلاك الأفيون. إذ شكل الفلاحون تعاونيات للإستهلاك و خلقوا شبكات جديدة للتوزيع. كما وضعوا نظاما للدفاع الذاتي خاصا بهم، و شيدوا الطرقات و وضعوا برامج للتربية الشعبية. و كل هذا –أي إزالة النظام الإقطاعي و السلطة الإقتصادية و السياسية للملاكين العقارين- كان يتم من طرف الفلاحين بالإعتماد على قواهم الذاتية و تنظيمهم الخاص؟
7- طيلة هذا الوقت، دائما في بداية سنة 1927 ، كان الكيومنتانغ يركز هجماته على الحركة الثورية في المدن. و قد قلص خصوصا بشكل كبير حرية التجمع، حرية الصحافة، الحق في التنظيم النقابي، و كذا حق الإضراب. و في مارس بدأت قوات تشانغ كاي تشيك في احتلال مدينة نانكين، للتقدم بعد ذلك صوب شانغهاي. و في 12 أبريل، قامت كتيبة جيدة التسليح و مُشَكَّلة من عصابة من الصعاليك مرتبطة بجماعة سرية بشانغهاي، باحتجاز عدد كبير من القادة العماليين، و قتلتهم. و بعد دخول جيش تشانغ كاي تشيك إلى شانغهاي، يومان بعد ذلك، واصل المجزرة . إذ قُتل آلاف العمال و اعتقل آلاف آخرون و عُذبوا. و طيلة أشهر كاملة، كانت الشاحنات العسكرية المليئة بالعمال الذين أعدموا بعد ذلك، تشق الطرقات. و في كل نهاية أسبوع، طيلة ما يقارب سنتين، تواصت الإعدامات، و في بيكين اعتقل ستون (60) من الشيوعيين و الزعماء النقابيين، و من بينهم لي تا شاو، أحد مؤسسي الحزب الشيوعي الصيني الذي قُتل في أبريل. و بناء على الإنتصارات الدموية التي حققها تشانغ كاي تشيك على الشيوعيين، تمكن من إقامة حكومة في نانكين و من الحصول على اعتراف القوى الإمبريالية في الغرب بها باعتبارها الحكومة الوحيدة و الأوحد ذات الشرعية في الصين كلها.
دائما في أبريل، عقد الحزب الشيوعي الصيني مؤتمره الخامس؛ و كان الثمانون مندوبا الحاضرون يمثلون ما يناهز 57967 عضوا. و تحت تأثير تشين توسيو، أصبحت الدعوة إلى "الوحدة بأي ثمن" الشعار الرئيسي للمؤتمر و قد تم تحميل ماو، الذي انتُزع منه حق التصويت، مسؤولية "تجاوزات" الفلاحين. و لم يتخذ المؤتمر أي إجراء للتشهير بالقمع الذي يتعرض له العمال و الفلاحون أو لوضع حد له. بل بالعكس كان الخط الذي تم تبنيه ينص على التخفيف من إيقاع الثورة في الريف، و ذلك بمنح الملاكين العقاريين و النبلاء المحليين و لمسئوليهم العسكريين، التزامات.
8- يومان بعد إطلاق تشانغ كاي تشيك لحملته التقتيلية في شانغهاي، بدأ أمراء الحرب أيضا بدورهم انتقامهم و مذابحهم ضد الفلاحين الثوريين، الذين عُذبوا بشدة و تم تشويههم. و قد تعرضت النساء بشكل خاص، اللواتي لعبن دورا في حركة التمرد، لتقطيع و الإحراق و هن أحياء. و في مقاطعة هوبيي houpei، قُتل 4700 فلاح من بينهم 500 امرأة، بين شهري فبراير و يونيو 1927. و قد تم اللجوء في ذلك إلى وسائل متعددة: ضرب الأعناق، دفنهم و هم أحياء، الإحراق، التقطيع…و رغم أنه أثناء حركة التمرد شكل الفلاحون ميليشيات و حصلوا على أسلحة، إلا أنه الحزب نظرا لأنه قد قرر إيقاف "التجاوزات" و "تحقيق الأمن" فقد أمر الفلاحين و العمال بتسليم الأسلحة. و قد رفض ماو تسي تونغ التصرف بهذا الشكل، الشيء الذي شكل أحد أسباب التي جعلته يتعرض للنقد و اعتباره هو المسئول عن هذه "التجاوزات" الشهيرة. و في ماي، تظاهر في شانغشا 20000 من العمال و الفلاحين، من ضمنهم عمال مناجم أنيوان، بدعم من ماو، انتقاما للرفاق الذين قُتلوا. لكن " فيدرالية نقابات عمال الصين" و الجمعية الفلاحية التي كانت تحت قيادة الحزب الشيوعي،أمرته بالخضوع. فالقادة العماليون قُتلوا، و الأراضي التي صادرها الفلاحون أُرجعت إلى مالكيها السابقين، و أغلقت المدارس الشيوعية، و أُحرق المدرسون و الطلبة الذين كان يعرف أنهم من اليسار و هم أحياء، كما أُعدم القادة العماليون و النقابيون في الساحات العمومية. و على امتداد السنة التالية، أي سنة 1928 ، قُتل أكثر من 100000 من الفلاحين و العمال في إقليم هونان hounan . فقد فيها الحزب على الأقل 15000 عضوا. و في يوليوز، تم أخيرا إجلاء الشيوعيين صراحة من الكيومنتانغ، حيث كانت كتائب الموت قد أخذت مهمة تصفية كل المتهمين بأنهم شيوعيون الذين تتمكن من العثور عليهم. و قد غادر ماو خونان بعد أصدرت الحكومة أمر اعتقاله، للدخول في السرية في يوهان، كما دخل أعضاء آخرون من الحزب مثله في السرية.
9- بعد الحملة المناهضة للشيوعيين التي شنها تشانغ كاي تشيك، كان الحزب الشيوعي قد أبيد بشكل كامل. يمكن اعتبار أنه في سنة 1928 تمت تصفية ثمانين في المئة 80% من أعضائه. ففي المناطق الحضرية أُرغم الحزب على الدخول في السرية. لكن من هذا الهزيمة القاسية وُلدت استراتيجية ثورية جديدة. إذ بدأ الحزب ينظم العمال و الفلاحين بهدف إطلاق الكفاح المسلح. و في 15 يوليوز 1927 قام عصيان في نانشانغ. و رغم أنه كان غير مُثمر إلا أنه سمح على الأقل بتشكيل جيش أحمر جديد. و لأول مرة في تاريخ الحزب أصبح اليوم يملك قوته المسلحة الخاصة، المستقلة كليا. و في شهر غشت، تم الحسم مع الخط الإستسلامي اليميني و تمت إقالة زعيمه الرئيسي تشين توسيو.
و لمقاومة حملات التقتيل التي يشنها الكيومنتانغ ، نظم الحزب عصيانا مسلحا للعمال و الفلاحين، جرى في 11 دجنبر 1927 في كانتون. كما أعلن كذلك قيام حكومة ديمقراطية للعمال و الفلاحين، عُرفت تحت إسم "كمونة كانتون"، مكلفة بتنفيذ برنامج ثوري. لكن الثوريين كانوا يذهبوا أبعد partaient de loin . فجيوش الكيومنتانغ التي كانت تفوقهم بأكثر من ست أو سبع مرات، تلقت كذلك دعم الإمبرياليين البريطانيين و اليابانيين و الأمريكيين، الذين وضعوا مدافعهم تحت تصرفها. و قد تم إغراق العصيان في الدم. و كما شرح ماو ذلك فهذه الفترة أعطت للشيوعيين الصينيين درسا كبيرا: فالثورة المضادة كانت أشد قوة في المدن؛ حيث أنه رغم طابعها البطولي فالمحاولات التي كان يقوم بها العمال و العاملات للإستيلاء على السلطة كانت تتعرض للفشل. فالثورة الصينية لن تنتصر، كما كان يعتقد ذلك بعض قادة الحزب، عن طريق استراتيجية مرتكزة على العصيانات المدنية و الإنتصارات الخاطفة.
10- كانت جيوش الملاكين العقاريين و أمراء الحرب و الكيومنتانغ معبأة لهدف موحد ألا و هو اعتقال الشيوعيين لأجل تقتيلهم. و أمام هذه الوضعية عاد ماو إلى أنيوان لتعيين عمال مناجم لإطلاق ما سُمي "انتفاضة حصاد الخريف". إذ في هذه الفترة من السنة كان الفلاحون يكملون حصادهم و كان الملاكون العقاريون يأتون لملاقاتهم لجمع أكريتهم. لكن هذه المرة، كان ينبغي التصرف بحيث ألا يحصل أي واحد منهم، و لا أي إنسان فظ، و لا أي من الوجهاء على أية حبة أرز، و أن تتم مصادرة أراضيهم. و قد شكل ماو "أول جيش ثوري للعمال و الفلاحين"، مكلف بإطلاق العصيان. و باقتراح من ماو عوض الجيش الجديد راية الكيومنتانغ بالراية الحمراء، مع رمز المنجل و المطرقة مرسومين وسطها نجمة صفراء. لم يكن الـ 8000 من المقاتلين و المقاتلات يملكون بدلة موحدة، و لم يكونوا و يكن مسلحين(حات) سوى بالرماح و بعض المسدسات. لكنهم و لكنهن ساروا و سرن من خونان حتى إقليم كيانغشي، مقاتلين الجيوش الرجعية. و كما أعلن ذلك ماو :«لقد انطلق النضال الطويل و المفتوح من السلطة في هذا الوقت بالذات». و قد شكلت هذه الفترة مرحلة أولى نحو تطوير صنف جديد من الحرب الثورية، التي سماها ماو الحرب الشعبية الطويلة الأمد،التي تتضمن خلق مناطق ارتكاز في الأرياف، و بناء جيش أحمر، و تحقيق الإصلاح الزراعي في القرية، و مواصلة حرب طريلة الأمد لتطويق المدن و الإستيلاء على السلطة.
——————————————————————————–
[1] ماو : :" تقرير عن تحقيقات حول حركة الفلاحين في خونان" المختارات المجلد الأول
[2] ماو :" تقرير عن تحقيقات حول حركة الفلاحين في خونان" المختارات المجلد الأول.