الأربعاء، 19 يناير، 2011

ماوتسي تونغ في مواجهة منتقديه

 


 
شغل ماوتسي تونغ اهتمام العديد من الدارسين و كتبت حوله مؤلفات كثيرة ، و قد أنصفه البعض معتبرا إياه من القادة الشيوعيين العظام الذين كانت لهم إضافاتهم و إبداعاتهم في مجالي النظرية و الممارسة الثوريتين ، بينما نظر إليه آخرون على انه مجرد قائد برجوازي مفتون بشخصيته ، و لا نبتغي هنا تناول مختلف ما قيل حوله و إنما سنركز نظرنا فقط على تحليل آراء بعض منتقديه الأكثر شهرة و بالأخص أولئك الذين يعبرون عن وجهتى نظر التحريفيتين الخروتشوفية و الخوجية و سنحاول فيما يلي تتبع المسائل الكبرى المثارة في هذا المجال مخضعين إياها إلى التحليل و النقد و هي :
1- قانون التناقض و الصراع بين الخطين
2- سلطة الطبقات الأربعة
3- الثورة الثقافية
4- نظرية العوالم الثلاثة
5- موقف ماو من ستالين
6- مفهوم شبه مستعمر شبه إقطاعى


1- قانون التناقض و الصراع بين الخطين

يرى منتقدو ماو أن فهمه لقانون التناقض هو فهم ميكانيكي و لكن دون أية حجة في أغلب الحالات فعوضا عن تبيان فهمه لهذا القانون و تحليله له يسرعون إلى إطلاق صفة "الميكانيكي" ، أما كيف تم ذلك و أين فلا ينبسون ببنت شفة ؟! و سرعان ما يختبئون وراء لينين فيشيرون إلى تمظهر التناقض في الرياضيات و الكيمياء و الفيزياء الخ… و كأن ذلك كفيل بأن يجعلنا نصدقهم و نكذب ماو.
و هذه إستراتيجية بائسة يلجأ أصحابها إلى النصوص الماركسية الكلاسيكية فيقتطفون منها ما يريدون متغافلين عن النظر إلى المسألة موضوع الحديث و ذلك كي يقنعوا القارئ بأنهم يدافعون عن الماركسية وبالتالي ينبغي تصديق افتراءاتهم تماما مثلما هو حال شيوخ الجماعات الدينية الذين يتركون التحليل جانبا و يهرعون إلى النصوص المقدسة لإضفاء الشرعية على ما يقولونه . ولا غرابة في هذا الشبه فإذا كان الشيوخ يؤكدون أن القرآن صالح لكل مكان و زمان فان أصحاب وجهة النظر تلك لا يجدون غضاضة في الحديث عن "الماركسيين اللينينين في أي مكان و زمان"! ، و بالتأكيد فإن ماركس نفسه لا يمكن إلا أن يصيح في مثل هذه الحالات:أيها السادة: "لست ماركسيا"، فأي معنى للحديث عن ماركسيين لينينيين عابرين للمكان و الزمان؟ انه الجمود العقائدي الذي يسوغ لأصحابه التورط في إثبات هذه الفكرة أو تلك دون مناقشتها و تحويل الماركسية من مرشد للعمل إلى عقائد و طقوس فأصحاب هكذا وجهة نظر غير مدركين للفارق الجوهري بين طريقتين منهجيتين في التعاطي مع المسائل موضوع التحليل فالطريقة العلمية تقتضي التحليل و التركيب ثم رفد ذلك بالاستشهادات أما الطريقة الوثوقية (الدغمائية) فهي تلك التي تنطلق من النص وتخضع المسائل المطروحة له. هذا من جهة و من جهة ثانية ماذا يفيد القول بان الديالكتيك يتمظهر بحسب لينين في كذا و كذا و نحن نناقش وجهة نظر ماو الذي لا يقول عكس ذلك.لقد اتهم هؤلاء ماو بالميكانيكية غير أن تحليلا موجزا لما يقولونه و هو ما نحاول القيام به يثبت أنهم هم من كان ضحية للمنهج الميكانيكي .
.
تنظر الفلسفة الماركسية إلى الظواهر المختلفة باعتبارها متحركة متحولة فهي لا تثبت على حال فالحركة مطلقة و السكون مؤقت وكان الفيلسوف اليوناني هراقليطس الذي وصفه لينين بأب الديالكتيك قد قال :" لايمكنك أن تستحم في النهر الواحد مرتين "، فالكون برأيه " لم يخلقه أي اله و لا أي إنسان كان وهو كائن و سيكون ، شعلة حية متوهجة أبدا، تحترق و تنطفئ حسب قوانين محددة"، فلا شيء ثابت غير التحول و التبدل.
و ما يجعل التحول ممكنا هو التناقض في صلب الأشياء فهي تحمل في داخلها أسباب تغيرها، يقول ستالين: "إن النضال بين الأضداد، بين القديم و الجديد، بين ما يموت و ما يولد ، بين ما يتفسخ وما يتطور هو المحتوى الداخلي لسيرورة التطور و تحول التغيرات الكمية إلى تغيرات كيفية"(1) و هو ما يعني أن التناقض داخلي لا خارجي فالأشياء لا تنمو و تتغير بفعل أسباب خارجية كما يرى الميتافيزيقيون، فكل ظاهرة لها تناقضاتها الداخلية و هي التي تحرك تطورها وبالتالي المسؤولة عن سيرورتها ، لأجل ذلك اعتبر لينين " التطور هو نضال الأضداد"(2)

و لكن هل يعني ذلك أن الظروف الخارجية المحيطة عديمة التأثير؟ كلا ، فالأشياء مترابطة ببعضها البعض ( الترابط العام بين الظواهر) فالماء مثلا لا يتحول إلى ثلج أو بخار إلا في علاقة بالحرارة و لكن الحرارة تظل عديمة التأثير لو لم توجد التناقضات الداخلية في الماء نفسه . و على هذا النحو فإن التناقض الداخلي محدد في تطور الظواهر أما العوامل الخارجية فتلعب دورا ثانويا ، يقول جورج بوليتزار متمثلا أطروحة ماو بخصوص المسألة نفسها:" التناقضات الكامنة في الأشياء و الظواهر هي السبب الرئيسي لنموها ، بينما صلة الشيء أو الظاهرة المتبادلة مع الأشياء أو الظواهر الأخرى و تأثيرها عليها إنما هي أسباب ثانوية".(3)ثم يعلق قائلا " وهذا ما لا يرضاه الذهن الميتافيزيقي فهو مجبر علي تفسير جميع التغيرات بواسطة تدخلات خارجية ، لأنه يجهل التناقضات الداخلية التي تكون الواقع و تدفع إلي التغيير الكيفي "( 4)
إن ما ذكرناه يتيح لنا أن نستنتج أن الماركسية تنظر إلى التناقض على أنه يتصف بخاصيتين أساسيتين ، و هما أنه يوجد داخل الأشياء من جهة و أنه من جهة ثانية يحدد تطورها و تغيرها ، و لكن ما هي العلاقة بين المتناقضات الموجودة ضمن الأشياء؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تمكننا من الوقوف على الخاصية الثالثة للتناقض و هي وحدة المتناقضات ( أو الأضداد) و الصراع فيما بينها ، فحتى يكون هناك تناقض في صلب الأشياء ينبغي أن توجد قوتان متضادتان على أقل تقدير، ففي الحياة الاجتماعية لا توجد هذه الطبقة أو تلك إلا في علاقة بوجود نقيضها، و عندما تزول آخر طبقة مستغلة أي البرجوازية نهائيا فان نقيضها الذي هو البروليتاريا يزول بدوره ، و عوضا عن المجتمع الطبقي يولد المجتمع اللاطبقي.
و الصراع بين الأضداد كما يقول لينين مطلق بينما الوحدة بينها مشروطة و مؤقتة و نسبية ، و كان لماو تسي تونغ دورا بالغ الأثر في بلورة التصور الماركسي حول التناقض ، فقد خص هذه المسألة ببحث فلسفي متميز ألقاه سنة 1937 على منبر الكلية الحربية و السياسية في مدينة يانان، و نشر بعد ذلك في مؤلفاته المختارة . و قد أكد فيه أن قانون التناقض في الأشياء هو القانون الأساسي في الديالكتيك المادي و وضع كهدف لهذا البحث تصفية الحساب مع الجمود العقائدي و التيارات المثالية مبينا أن هناك نظرتان متضادتان للعالم ، وجهة النظر الميتافيزيقية و وجهة النظر الديالكتيكية فإذا كان الميتافيزيقيون ينظرون إلى تطور الأشياء من حيث الزيادة و النقصان فإن الديالكتيكيين ينظرون إلى ذلك من حيث انقسام الواحد إلى ضدين يرتبطان ببعضهما البعض بروابط متبادلة ، فأسباب تطور الأشياء توجد داخلها لا خارجها فـ"التناقضات الكامنة في باطن الأشياء هي التي تسبب تطورها" (5)كما أن الأشياء تتبادل التأثير فيما بينها غير أن ذلك التأثير يظل ثانويا قياسا إلى العوامل الداخلية ف"التناقض الكامن في باطن الأشياء هو العلة الأساسية في تطورها أما الصلة القائمة و التأثير المتبادل بين شيء و آخر فهو علة ثانوية" (6) . ولقد دقق ماو الأمر مشيرا إلى أن الأسباب الخارجية هي عامل التبدل أما الأسباب الداخلية فهي أساس التبدل ، و عندما تفعل الأسباب الخارجية فعلها في هذه الظاهرة أو تلك، فان ذلك يحصل عبر الأسباب الداخلية نفسها، فإذا ما انتصرت البرجوازية على البروليتاريا فتفسير ذلك أن السبب الداخلي و هو ضعف البروليتاريا و سيادة الانتهازية داخلها قد مكن البرجوازية من أن تنتصر ، يقول ماو :" إن جيشين يلتحمان في معركة فينتصر أحدهما و ينهزم الآخر . و النصر و الهزيمة على حد السواء تقررهما أسباب باطنية. إن أحدهما ينتصر إما بسبب قوته و إما بسبب قيادته الصحيحة ، و ينهزم الآخر إما بسبب ضعفه و إما بسبب أخطاء في القيادة ، فالأسباب الخارجية تفعل فعلها عن طريق الأسباب الباطنية" (7)و يقدم مثالا تاريخيا واقعيا يؤكد ذلك فالبرجوازية الصينية انتصرت على البروليتاريا سنة 1927 مستغلة سيطرة الانتهازية على الحزب الشيوعي ، و عندما تمت تصفية الانتهازية عاودت الثورة الصينية تقدمها (8)
و لقد استحضر ماو الفلاسفة العظام الذين كان لهم فضل تطوير النظرة الديالكتيكية ، بدءا من فلاسفة اليونان الذين اتصف الديالكتيك لديهم بطابع العفوية ، و هيجل الذي كانت مساهمته هو الآخر عظيمة غير انه ظل أسير النزعة المثالية الصوفية ، وصولا إلى ماركس و أنجلس اللذين أمكنهما تنقية الديالكتيك من تلك الشوائب و"استنباط النظرية العظيمة نظرية المادية الديالكتيكية و المادية التاريخية"(9) و هو ما طوره لاحقا كل من لينين وستالين . و لم تكن دراسة ماو للتناقض دونما غاية عملية فحسم هذه المسألة و اكتساب نظرة ديالكتيكية للعالم من شأنه أن يجعل مهمة انجاز الثورة ممكنة.
و عوض أن يعرض منتقدو ماو لهذه القضية و غيرها التي بلورها ماو و هو يحلل مسألة الديالكتيك نراهم يلصقون النعوت دون سند كما ذكرنا ويقفزون من قضية إلى أخرى، فهم بعد اتهام ماو بالميكانيكية يتركون الجانب الفلسفي للمسألة و يتجهون ناحية مناقشة المثال الذي يقدمه ماو لتبيان معنى التناقض ، فطالما أن ماو قد قال بأن التناقضات الطبقية تنعكس في الحزب الشيوعي، و أن الأفكار الصحيحة و تلك الخاطئة تتصارع داخله، فإنه بالنتيجة يعتبر أن الحزب الشيوعي هو حزب جميع الطبقات فيفقد بذلك صفته البروليتارية ، و بهكذا استنتاج يحسم أصحاب هذه الادعاءات الأمر فماو لا علاقة له بالماركسية اللينينية .
و لا يكاد المرء يضبط أنفاسه و هو يتأمل هذا الاكتشاف العظيم الذي يتحفنا به البعض حتى يكتشف ادعاء آخر لا يقل عنه غرابة فالحزب الشيوعي لدى ماو ليس حزب جميع الطبقات، وإنما هو حزب يتصارع داخله فريقان من الطبقة العاملة . و يحتار المرء في أمر منتقدي ماو فهل يقول ماو بأن الحزب الشيوعي هو "حزب جميع الطبقات" أم "حزب تيارين متصارعين ضمن الطبقة العاملة"؟ ثم هل انقسام الطبقة العاملة إلي تيارات سياسية متصارعة رغبة ماوية أم حقيقة موضوعية؟
يخلط أصحاب تلك الدعاوى بين أطروحتين متضادتين بخصوص التناقض في صفوف حزب الطبقة العاملة ، تقول الأولى بوجوب إيجاد ذلك التناقض بصورة إرادية، بينما تقول الثانية بأن ذلك التناقض يوجد بصورة موضوعية من حيث هو انعكاس لما يعتمل داخل المجتمع من صراع بين الطبقات . و ما يراه ليس فقط ماو و إنما أيضا ماركس و أنجلس و لينين و ستالين هو أن الصراع الطبقي ينعكس في الحزب الشيوعي ذاته مما يجعل موضوعيا الخطوط تتصارع داخله (10)، و دور الخط البروليتاري الثوري هو التصدي للانحرافات و الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها شيوعيون جيدون و أيضا للمؤامرات و الدسائس التي يمارسها أعداء صريحون ، يتسللون إلى الحزب بغاية تخريبية. وقد أدى الخلط المذكور بأصحاب تلك الدعاوى إلى استنتاج أ ن ماو يرى أن حياة الحزب تتوقف تماما إذا ما انعدمت التناقضات داخله و خلا من العناصر الانتهازية ، و هذا محض إدعاء فقد كان على أصحاب تلك الرؤى التدليل عليه بحجة مقنعة لا أن يطلقوه جزافا و لكن لنقرأ بعض ما قاله ماو عن ضرورة استئصال الانتهازية ليس من داخل الحزب الشيوعي فقط و إنما أيضا من سائر القوى الشعبية ، يقول ماو:" في عام 1927 أصبحت القوى الشعبية التي يقودها الحزب الشيوعي ضعيفة جدا تحت ضربات قوى الكيومنتانغ الرجعية لكنها تعاظمت من جديد بصورة تدريجية بعد أن استأصلت الانتهازية من صفوفها" (11 ).و مثلما بينا سابقا فقد اعتبر وجود الانتهازية داخل الحزب الشيوعي الصيني العامل الأساسي الذي يفسر انتصار البرجوازية على البروليتاريا سنة 1927
و يصل الارتباك النظري لدى نقاد ماو درجة مثيرة للشفقة فهم يأخذون على ماو قوله أن الواحد ينقسم إلى اثنين و يضعون تعارضا بينه و بين لينين على هذا الصعيد ، و الواضح أنهم يريدون التدليل على الاختلاف الجوهري بين لينين و ماو بهذا الخصوص غير أننا نلاحظ تطابق وجهتى نظر القائدين الشيوعيين ر فماو يقول إن الواحد ينقسم إلى اثنين و لينين يقول الشيء ذاته فالواحد لدى لينين مزدوج التكوين أي يتضمن جزأين متناقضين ، و قد أحال ماو نفسه إلى هذا القول في بحثه حول الديالكتيك ، أما ما زاد عن ذلك من استنتاج أن ماو يقول بأن الطبقة العاملة يجب أن تتضمن في ذاتها نقيضين، و أنه يشرع وجود الخطين في حزبها و يعتبر ذلك أمرا ضروريا فهو محض افتراء.
و إذا كان ماركس و أنجلس و لينين و ستالين يقولون بأن حزب الطبقة العاملة يقوم على أساس الوحدة الإيديولوجية و السياسية و يجمع بين صفوفه طليعة البروليتاريا فإن ماو يقول الشيء نفسه ، و بالتالي فإن إقامة تناقض بين القادة الخمسة على هذا المستوى لا يستقيم .
و بخصوص الصراع بين الخطين يدعى نقاد ماو كما ذكرنا أنه يقول بضرورة وجود ذلك الصراع فالقول المنسوب الى ماو " خارج حزب توجد أحزاب أخرى وحتى في إطار الحزب الواحد توجد تكتلات و هو أمر كان دائما هكذا" لا يفيد أن ماو يريد للصراع بين الخطوط أن يوجد، و إنما هو يصف حالة موضوعية لا سبيل إلى إنكارها، أفلا توجد أحزاب متصارعة حتى خلال المرحلة الاشتراكية؟ ألا تحاول البرجوازية تنظيم صفوفها سرا في هذا الحزب أو ذاك للعودة إلى السلطة ؟ ألا توجد تكتلات داخل الحزب الشيوعي نفسه فتحاول الخطوط الرجعية نسفه من الداخل ؟ ألم يكن الأمر هكذا بالنسبة الى الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي و ما شهده من صراع بين المناشفة و البلاشفة أو بالنسبة إلى الحزب الشيوعي السوفياتي حيث وجدت فيه كتل انتهازية مثل الترتسكيين و الزينوفيافيين و غيرهم؟ ثم ألم يفقد الحزب هويته الشيوعية و تحول نهائيا إلى حزب تحريفي انتهازي جراء نجاح التحريفيين في القضاء عليه من داخله؟ فمن أين جاء خروتشوف و بريجينيف و غورباتشوف و يلتسين ، أليس من داخل الحزب نفسه؟ يقول ماو :" إن الصراع بين الخطين في صلب الحزب سيتواصل مدة طويلة أيضا باعتباره انعكاسا لهذه التناقضات،انه سيحصل أيضا عشرة مرات، عشرون مرة،ثلاثون مرة وسيظهر عديد من لين بياو ... انه أمر لا يخضع لمشيئة الإنسان " و من السهل ادراك أن ماو لا يشرع صراع الخطين و لا يصطنعه، و إنما ينظر إليه باعتباره أمرا موضوعيا لا يخضع لمشيئة الإنسان و إرادته، فهو ظاهرة مرتبطة بانقسام المجتمع إلى طبقات ذلك الانقسام الذي ينعكس بالضرورة على الحزب الشيوعي كما ذكرنا.
وهذا الذي أشار إليه ماو يجب أن نستنتج منه ضرورة المضي بعزيمة قوية لتأسيس تلك الأحزاب في شتى البلدان، والاستعداد الدائم لمواجهة الخطوط و الكتل والعناصر الانتهازية لا العكس فمسيرة الثورات ليست مفروشة بالورود فـ" الثورة ليست مأدبة و لا كتابة مقال و لا رسم صورة و لا تطريز ثوب ، فلا يمكن ان تكون بمثل تلك اللباقة و الوداعة و الرقة, أو ذلك الهدوء و اللطف و الحب و التسامح و ضبط النفس ، إن الثورة انتفاضة وعمل عنف تلجأ إليه إحدى الطبقات للإطاحة بطبقة أخرى" ()، و حياة الأحزاب البروليتارية ليست بالصورة التي يراها نقاد نا ، و الطريق إلى الشيوعية وعر وصعب ، و مهمة الشيوعيين إدراك المخاطر و المثابرة على الكفاح و الثورة ،و مواجهة الأعداء سواء كانوا داخل الحزب أم خارجه.
و ما يقوله ماو بخصوص الصراع بين الخطين تعضده وجهة نظر ستالين الذي قال في لحظة من لحظات الصراع ضد الانتهازية انه ليس لدينا في الحزب البلشفي خط موحد بل هناك الخط الثوري اللينيني و خط بوخارين الانتهازي ، لنقرأ ما قاله ستالين:" و الحقيقة أنه في الواقع ليس لدينا خط موحد ، إنه يوجد خط ، هو خط الحزب،الخط الثوري اللينيني ، و لكن يوجد بالتوازي خط آخر، هو خط مجموعة بوخارين الذي يحارب خط الحزب... إن الخط الثاني هو خط انتهازي " (12) و يذكر ستالين أن تاريخ الحزب البلشفي ملئ بالوقائع التي تؤكد الصراع بين الخطين فغداة ثورة أكتوبر رفض بعضهم و علي رأسهم زونفياف و كامنياف تولي المناصب التي أسندت لهم، مطالبين بتغيير سياسة الحزب و تشكيل حكومة وفاق يشارك فيها المناشفة و الاشتراكيون الثوريون، بينما اتجهت اللجنة المركزية ناحية تشكيل حكومة بلشفية الخ...
و إذا كان منتقدو ماو يعتقدون أن ستالين قد عمد إلى طرد العناصر و الكتل الانتهازية بينما أبقى عليها ماو فإن هذا اعتقاد زائف فبالعودة إلى وقائع التاريخ ومؤلفات ماو نفسها نجد أن الحزب الشيوعي الصيني قد اطرد مرارا و تكرارا مثل تلك القوي ،وبخصوص وحدة و صراع الأضداد يضع نقادنا جدارا بين ماو و ستالين محاولين إبراز أن القائدين الشيوعيين على خلاف كبير غير أن الكتاب الذي يستندون إليه لترويج هذا الزعم و هو المجلد الخامس لا يعتد به ، و هو مصدر غير معترف به من قبل الماركسيين اللينينيين الماويين عبر العالم . و المهم هنا أن نقادنا يزعمون أن ماو أهمل صراع الأضداد بينما رفع من شأن وحدتها كما يتهمونه بإنكار قانوني التحول النوعي و نفي النفي ، و هذا يعني انه إذا ما أضفنا إليه ما قيل بخصوص التناقض فأن ماو ينكر قوانين المادية الجدلية كافة. غير أن مركز الثقل في هذا الاتهام هو أن ماو يعتبر "أن وحدة الأضداد هي القانون الأساسي للديالكتيك " وقد أراد ماو بذلك كما يقول هؤلاء تبرير مواقف خاطئة و رجعية تتمثل في إبقاء الصراع بين الطرفين المتناقضين دون حل فتارة يتغلب الطرف الايجابي و طورا الطرف السلبي و هكذا إلى ما لا نهاية.

و لكن لنصغي إلي ما يقوله ماو بخصوص صراع الأضداد و وحدتها: "إن كل طرف من طرفي التناقض في عملية تطور شيء ما يستلزم وجود الطرف الآخر المتناقض معه كشرط مسبق لوجوده هو، و إن الطرفين يتواجدان في كيان واحد ، و أن كل طرف من الطرفين المتناقضين يتحول تبعا لعوامل معينة إلى نقيضه ، و هذا هو ما يقصد بالوحدة" (13) و كلام ماو هذا ليس إلا تعبيرا آخر عن كلام لينين بخصوص نفس الموضوع لذلك استشهد به ماو مباشرة بعد حديثه السابق حيث أورد ما يلي" لقد قال لينين : إن الديالكتيك هو النظرية التي تدرس كيف يمكن للضدين أن يكونا متحدين و كيف يصيران متحدين و في أية ظروف يكونان متحدين و يتحول أحدهما إلى نقيضه ولماذا ينبغي للفكر الإنساني ألا ينظر إلى هذين الضدين كشيئين ميتين جامدين بل كشيئين حيين مشروطين قابلين للتبدل وتحول أحدهما إلى نقيضه" ( 14 )
و من الخطأ استنتاج إنكار ماو للصراع بين المتناقضين مما تقدم ذكره، فإذا كان كل طرف يتحول إلى نقيضه فإن ذلك يعني أن الصراع بينهما هو الذي يفسر عملية التحول تلك، غير أن نقاد نا لا يفهمون سيرورة التحول هذه ، فاعتقدوا أن الأمر يتعلق بصراع دائري تارة ينتصر العنصر الايجابي وطورا العنصر السلبي ،وهذا النقد لا علاقة له بالماركسية و إنما نجده لدى بعض المفكرين البرجوازيين في نقدهم للديالكتيك الماركسي . إن موقف هؤلاء النقاد يصدر عن جهل بما قاله ماو و لينين في نفس الوقت فبينما يقول ماو"إن الطرفين المتناقضين في أية عملية هما متعارضان و متصارعان و متضادان فيما بينهما و يوجد هذان الطرفان المتناقضان دون استثناء في عمليات تطور جميع الأشياء في العالم وفي الفكر البشري"(15) يحرك هؤلاء رؤوسهم وقد وضعوها في الرمال قائلين:" فكرة التحول الذي ينفي خلاله أحد الضدين الآخر معدومة لدى ماو و كذلك فكرة نفي النفي"!! و لكن ما حيلة ماو أمام هؤلاء عندما يؤكد:" إن كل طرف من الطرفين المتناقضين يتحول تبعا لعوامل معنية إلى نقيضه"(16)
لنتحدث الآن عن وحدة الأضداد وكيف نظر إليها ماو و لينين؟ في تعريفه للوحدة يقول ماو " إن الطرفين يتواجدان في كيان واحد"(17 ) و يقول لينين " إن الديالتيك هو إدراك التناقضات في و حدتها"(18) و يقول أيضا " يمكن تعريف الديالكتيك بانه مذهب وحدة المتناقضات" (19) غير أن ذلك كما ذكرنا مؤقت ونسبي والصراع بينهما مطلق لذلك يتحولان ويتبدلان طبقا لسيرورة تطورهما التي لا تتوقف، و الوحدة إنما تعني على وجه التحديد الدقيق أن كل طرف يستلزم ضرورة وجود نقيضه و إذا انعدم أحدهما انعدم الآخر ، يقول ماو " إن كل عنصرين متضادين هما بفعل عوامل معينة متعارضان من جهة ومترابطان متمازجان متداخلان يعتمد بعضهما على بعض من جهة أخرى ، و هذا هو المقصود بالوحدة " (20) و حتى يجعل ماو المسألة جلية يقدم أمثلة تبين ذلك فلا حياة دون موت ولا موت دون حياة، لا تحت دون فوق و لا فوق دون تحت، لا فلاحين دون إقطاعيين ولا إقطاعيين دون فلاحين، لا بروليتاريا دون برجوازية و لا برجوازية دون بروليتاريا الخ...
وهذا الذي أشرنا إليه هو الوجه الأول فقط لمسألة الوحدة أما الوجه الثاني و هو الأهم فيتمثل في تحول كل طرف إلى نقيضه، يقول ماو " هل يكفي أن نقول فقط أن كل طرف من طرفي التناقض يشكل شرطا لوجود الطرف الآخر ، و أن ثمة وحدة بينهما ،و لذلك يمكنهما أإن يتواجدا في كيان واحد ؟ كلا، لا يكفي ذلك فالأمر لا ينتهي عند حد الاعتماد المتبادل في البقاء بين الطرفين المتناقضين و إنما الأهم من ذلك هو تحول أاحدهما إلى نقيضه ،وهذا يعني أن كلا من الطرفين المتناقضين في شيء ينزع، بسبب عوامل معينة،إلى التحول إلى الطرف المناقض له ، و أن ينتقل إلى مركز نقيضه، هذا هو المعنى الثاني لوحدة طرفي التناقض "(21). يؤكد ماو إذن أن الأهم من وحدة الأضداد هو الصراع بينها غير أنه لا يتجاهل الوحدة و إنما يؤكدها فذلك ما يبينه الديالكتيك المادي، غير أن هؤلاء النقاد يتهمونه بعكس ذلك كما أسلفنا ، مضيفين أنه يترك التناقضات دون حل فتارة يتغلب هذا الطرف و طورا يتغلب نقيضه في لعبة لا تنتهي أبدا (هكذا) .
و ماو المتمثل جيدا لما تقره الفلسفة الماركسية يرى أن الأشياء لا تدور في حلقة مفرغة من حيث تطورها و إنما ترتقي من مرحلة دنيا إلى مرحلة عليا ، يقول" إن توطيد ديكتاتورية البروليتاريا أو ديكتاتورية الشعب يعني بالضبط تهيئة الظروف لتصفية هذه الديكتاتورية و التقدم إلى مرحلة أعلى مرحلة يتم فيها القضاء على جميع أنظمة الدولة ، و أن تأسيس الحزب الشيوعي و تطويره يعني بالضبط تهيئة الظروف للقضاء على الحزب الشيوعي و جميع أنواع الأحزاب السياسية ، و أن تأسيس الجيش الثوري بقيادة الحزب الشيوعي و القيام بالحرب الثورية يعني تهيئة الظروف للقضاء على الحرب للأبد"(22)
يتوج تطور البشرية إذن بالقضاء على المجتمع الطبقي و اضمحلال الدولة و تلاشي الأحزاب جميعها و زوال الحرب الخ... فأين هذا من القول بدوام الحال المنسوب لماو أيها السادة؟!
و يعرض النقاد لمسألة النقد و النقد الذاتي داخل الحزب ويضعونها في تعارض مع مسألة تطهير الحزب من العناصر الانتهازية ، معتبرين أن ماو يرى أن التناقضات داخل الحزب الشيوعي تحل بطريقة النقد والنقد الذاتي. و هذا برأيهم موقف خاطئ ، أما الموقف الصائب فيمثله ستالين الذي يرى أن الحزب يقوم بتطهير نفسه من العناصر الانتهازية، و كأن النقد بوجهيه يتعارض فعلا مع عملية التطهير و بهذا لا يدركون وشائج الصلة القوية بين هذا وذاك فالنقد بوجهيه سلاح أساسي يعتمده الحزب الشيوعي في محاربة الأخطاء و الانحرافات ، و هو يفضي في حالات الاستعصاء إلى نبذ/طرد الحزب للتيارات و العناصر الانتهازية من بين صفوفه، و قد اعتمد الحزب الشيوعي الصيني بقيادة ماو هذا الأسلوب مرارا و تكرارا كما ذكرنا سابقا.
لأجل هذا فإن التعارض بين ستالين و ماو على هذا الصعيد هو محض اختلاق، أما إذا كان نقادنا يعتقدون أن ستالين نبي لا ينطق عن الهوى فيكفر كل من يخالفه الرأي ويقطع رأسه في الحين فتلك مسألة أخرى فالماركسيون و ستالين من بينهم يتروون و يناقشون القضايا موضوع الخلاف ،و لا يطهرون صفوفهم من الانتهازيين إلا بعد تقديم الحجج والأدلة ، و على أية حال فإن ستالين الذي يقدمه لنا النقاد ليس ستالين الحقيقي و إنما ستالين الأسطوري الذي أنتجه خيال إقطاعي مهووس بالشخصيات العجائبية، فستالين الحقيقي استعمل سلاح النقد و النقد الذاتي بكفاءة وجادل خصومه بالحجة و التحليل، فنقد انحرافات تروتسكي و زينوفياف و بوخارين و غيرهم و كتب في ذلك ما كتب و لم يمارس الحزب الشيوعي السوفياتي في ظل قيادته التطهير عشوائيا، و إنما قام بذلك بعد حملات نقد واسعة.
و يزعم نقادنا أن ماو لم يطرد العناصر الانتهازية، كما يدسون معلومة تاريخية خاطئة فيذكرون أن دنغ سياو بنغ أرسل إلى الريف لإعادة تثقيفه و ليعود بعد ذلك إلى الحزب بينما تمت تلك العودة بعد وفاة ماو و الانقلاب الذي قاده هواكوفينغ. ويتهمون ماو أيضا بالمثالية و السقوط في الخرافة و الأخذ بأفكار لاوتسو (23)حول السعادة و الشقاء . و بالعودة إلى مؤلفات ماو نلاحظ كيف نظر إلى لاوتسو و المذهب التاوي باعتباره مذهبا رجعيا فقد كان معارضا عنيدا للتاوية و شن الحزب الشيوعي تحت قيادته حربا لا هوادة فيها ضد هذا المذهب وغيره من المذاهب المتماثلة معه مثل الكونفشيوسية ، ورسم ماو خط الفصل ين الشيوعية و الخرافة المتفشية بين أوساط الشعب داعيا إلى نشر الثقافة البروليتارية باعتبارها ثقافة الطبقة التي تقود الثورة يقول" بما أن الثورة الصينية اليوم لا يمكن أن تستغني عن قيادة البروليتاريا الصينية فإن الثقافة الجديدة للصين اليوم لا تستطيع أيضا أن تستغني عن قيادة الثقافة أو الإيديولوجية للبروليتاريا الصينية أي عن قيادة الايدولوجيا الشيوعية "(24)
و هذه الثقافة تتصادم بالضرورة مع الخرافة التي تقوم مقام النقيض منها، يقول :"إن ثقافة الديمقراطية الجديدة هذه ثقافة علمية تعارض سائر الأفكار الإقطاعية و الخرافية وتنادي بالبحث عن الحقيقة من الوقائع و بالالتزام بالحقيقة الموضوعية" (25)كما دعا إلى نبذ كل مساومة على هذا المستوى أي انه في المجال الثقافي ( الإيديولوجي ) لا تهادن مع التيارات المثالية و إنما يجب خوض حرب مفتوحة ضدها ، يقول ماو:" يمكن للفكر العلمي للبروليتاريا الصينية أن يقيم جبهة متحدة ضد الامبريالية و الإقطاعية و الخرافات مع أولئك الماديين و العلماء الطبيعيين من البرجوازية الصينية الذين مازالت فيهم روح تقدمية ولكن لا يمكنه في أي حال من الأحوال أن يقيم جبهة متحدة مع أية نزعة مثالية رجعية " ( 26) و إذا كان ماو يرى في المجال السياسي إمكانية انضمام بعض المثاليين و رجال الدين للجبهة المناهضة للامبريالية و الإقطاع ، فإنه يشدد في نفس الوقت على التصدي لنزعاتهم المثالية و الدينية ، وهو يعتبر الكونفشيوسية منوعة من منوعات الثقافة شبه الإقطاعية قائلا:" توجد في الصين أيضا ثقافة شبه إقطاعية تعكس السياسة و الاقتصاد شبه الإقطاعيين و الذين يدعون إلى عبادة كونفشيوس ودراسة الكتب الكونفشيوسية و ينادون بالالتزام بالأخلاق و الآداب القديمة و الأفكار القديمة و يناهضون الثقافة الجديدة و الأفكار الجديدة هم جميعا ممثلو هذه الثقافة" (27)
و عندما أنجز ماو تسي تونغ تحقيقه الشهير عن حركة الفلاحين في خونان ( مارس 1927) لم تفته الإشارة إلى مقاومة نفوذ رجال الدين وضرورة تحويل المعابد إلى مدارس و الإقلاع عن تقديم القرابين إلى الآلهة ، لنقرأ ما يقوله:" أما السلطان الديني فقد تزعزع هو الآخر في كل مكان بتطور حركة الفلاحين و قد استولت اتحادات الفلاحين في أماكن كثيرة على معابد الآلهة و جعلتها مكاتب لها، و تدعو الاتحادات في كل مكان إلى تحويل ملكية المعبد للصرف على فتح مدارس للفلاحين و الإنفاق على الاتحادات و يسمي الفلاحون هذا المال بدخل الخرافة العام، و في محافظة ليلينغ أصبح حظر ممارسة الخرافة و تحطيم الأصنام أمرا شائعا، و في المراكز الشمالية في هذه المحافظة حظر الفلاحون مواكب البخور التي كانت تنظم إرضاء لإله الأمان ... و قام الفلاحون و مدرسو المدرسة الابتدائية بتحطيم الأصنام الخشبية ، و استخدموا خشبها لطهي اللحم"(27) . و يروي ماو حكاية طريفة تبين كيف استقبل الفلاحون دعوته القاضية بمناهضة الدين و ما يقترن به من خرافة فقد خاطبهم قائلا :" إن هؤلاء الآلهة مساكين عاجزون ، لقد عبدتموهم قرونا عديدة و لم يطيحوا لكم بواحد من العتاة المحليين الأشرار أو الوجهاء الأشرار والآن تريدون تخفيض الإيجارات و أود أن أسألكم ما هو سبيلكم لتحقيق هذا ؟هل بالآلهة أم بجمعية الفلاحين ؟"(28) فماذا كان رد الفلاحين على كلام ماو؟ يجيب ماو :" لقد قهقه الفلاحون لسماعهم كلماتي هذه"(29) ، هكذا تكلم ماو الذي وصفه نقادنا بالمثالية ووضعوا بينه و بين الماركسية جدار فصل زاعمين أنه ينكر قانون التناقض ، و لم يكن ذلك صيحة في واد و إنما كان رديفا لممارسة ثورية حولت البلد الأكبر عالميا من حيث عدد سكانه من ظلام القرون الوسطى و سيطرة الامبريالية و الإقطاع إلى التحرر الوطني الديمقراطي و الاشتراكية .

و لكن لنتأمل من جديد ما يقوله هؤلاء بخصوص التناقض، إنهم ينكرون وجود طرف رئيسي وطرف ثانوي ضمن التناقض الأساسي و يعلنون معارضتهم لتعيين ماو لطرفي التناقض على هذا النحو. وهم لا يدركون أن المادية الديالكتيكية لا تنظر لطرفي التناقض دون تحديد دور كل منهما بالنسبة الى لآخر ، يقول جورج بوليتزار :"يحتوي كل تناقض بالضرورة على مظهرين يحدد تناقضهما التطور الذي ندرسه ، و لا يجب أن نضع هذين المظهرين - أو هذين القطبين – في مستوى واحد"(30) ففي روسيا قبيل ثورة أكتوبر الاشتراكية كانت البرجوازية هي الطرف الرئيسي في التناقض بينما البروليتاريا هي الطرف الثانوي ، و بعد الثورة انقلبت الأدوار فأضحت البروليتاريا الطرف الرئيسي في التناقض والبرجوازية الطرف الثانوي ، و هذا يصح أيضا على الظواهر الطبيعية فالماء مثلا تتناقض ضمنه قوتان، قوة تجميع الذرات التي يتكون منها، و قوة تفكيكها ، و عندما تكون القوة الأولى هي الطرف الرئيسي فإن الماء يتجه ناحية التجمد ، أما عندما تكون قوة التفكيك هي المهيمنة فإنه يتجه ناحية التبخر و ليست حالة السيولة إلا حالة عابرة/مؤقتة ناتجة عن توازن بين القوتين المتضادتين .
و الواضح أن نقادنا يعانون من قصور نظري في الإحاطة بالدلالة الفلسفية للتناقض فهم يعتقدون أن التناقض ضمن الظواهر المختلفة لا يخضع للتصنيف القاضي بالتمييز بين طرفين، أحدهما رئيسي و الآخر ثانوي و الحجة على ذلك برأيهم أن المادية الجدلية لا تعترف إلا بحلول الجديد محل القديم ، فياله من اكتشاف عظيم وحجة دامغة!! فهل هناك تناقض بين القول بأن التناقض يحتوي طرفين /قطبين/ أحدهما رئيسي و الآخر ثانوي و القول بأن الجديد يحل محل القديم؟ ألا يحل الجديد محل القديم لأن الطرف الثانوي أضحى هو الرئيسي بينما تحول الرئيسي (سابقا) إلى ثانوي؟ ثم ألا يؤكد ماو تلك الحجة التي يعترض من خلالها منتقدوه عليه،حين يقول: إن "تغيرات المجتمع ترجع في الأساس إلى تطور التناقضات الباطنية فيه و هي التناقض بين القوى المنتجة و علاقات الإنتاج والتناقض بين الطبقات و التناقض بين القديم و الجديد و تطور هذه التناقضات هو الذي يدفع المجتمع إلى الأمام، يدفع المجتمع الجديد لكي يقضي على المجتمع القديم" (31) . و يناقض هؤلاء أنفسهم إذ نراهم يؤكدون إمكانية اعتماد هذا التصنيف بالنسبة إلى بعض الظواهر فقط و بالتالي لا يمكن أن يعمم على كل الأشياء و الظواهر و بهذا يقعون في تناقض فذلك التحديد يصح على الظواهر الاجتماعية و لا يصح على الظواهر الطبيعية ولكن لماذا؟! يقولون ان ذلك يمكن ان يصح بالنسبة الى الظواهر الاجتماعية لا على غيرها!!! فينكرون بالتالي عمومية قانون التناقض فصراع الضدين يمكن برأيهم أن يؤدي إلى تحول نوعي كما يمكن أن لا يؤدي الى ذلك، و هذا في علاقة بالظروف الموضوعية رغم إقرارهم أن العامل الذاتي هو محدد !!! ، . السبب إذن في عدم انطباق ذلك التحديد على الظواهر الطبيعية هو أن صراع الأضداد ضمنها غير مضمون النتائج بمعنى أن التحول النوعي ضمنها غير مضمون لتدخل الظروف الخارجية و لا نعرف كيف و الحال أن هذا " الواقع الذاتي" محدد؟!إن نقاد ماو ينكرون التطور في مضمار الطبيعة بعد كل ذلك الضجيج حول قوانين المادية الجدلية ، غير أنهم لا يدركون بالتأكيد ما يقولونه جراء الوهن الذي يعانون منه على المستوى النظري ، فإذا كانت الأشياء يمكن أن تتطور نوعيا كما يمكن أن لا تتطور و ذلك في علاقة بالظروف الخارجية ألا تصبح التناقضات الداخلية عديمة المعنى بينما يكون العامل الخارجي المحدد و ليس المكيف؟
و يصل الخلط و الاضطراب و عدم الدقة لدى نقادنا درجة مفزعة فهم يخلطون بين العامل الذاتي و صراع الأضداد ، فهل يتماهى الواقع الذاتي مع صراع الضدين ؟! هل الصراع بين البرجوازية و البروليتاريا مثلا هو عامل ذاتي ؟! أم أن العامل الذاتي هو الطبقة العاملة و قد وعت ذاتها فتحوّلت من طبقة في ذاتها إلى طبقة لذاتها من خلال تأسيسها لحزبها الثوري فأصبحت تطلب تحرّرها الذي لا يمكن أن يكون في كل الأحوال كما بيّن ماركس و أنجلس إلا من صنعها هي نفسها ، فهذا هو معنى العامل الذاتي أي واقع الذات الثورية المصممة على الكفاح و الثورة ، أماّ البرجوازية التي يجري الصراع ضدّها فإنها بمؤسساتها و نهبها واستغلالها لا تمثل واقعا ذاتيا بالنسبة إلى الشيوعيين وإنما واقعا موضوعيا عليهم تفسيره بدقة بغاية تغييره. و بطبيعة الحال فإن هكذا خلط واضطراب و جهل على الصعيد النظري يسقط عن منتقدينا شرف الادعاء أنهم ديالكتيكيون حتى النخاع بينما ماو ( المسكين ) مادي ميكانيكي.
و عندما حاول منتقدونا دعم وجهة نظرهم بخصوص الاعتراض على ماو لقوله بالطرف الرئيسي و الطرف الثانوي في التناقض من خلال تقديم أمثلة تاريخية ارتكبوا المزيد من الأخطاء، فقد أرادوا تصفية الحساب مع الماوية من خلال الإحالة على تجارب الماويين في بعض البلدان ،و اللافت للنظر أنهم لم يذكروا اسم منظمة ماوية واحدة عند حديثهم عن إيران بل اكتفوا بالإشارة إلى " القوى الماوية " التي تحالفت مع القوى الدينية و هم على جهل كما يبدو ذلك واضحا بالتجربة الماوية في هذا البلد التي مثلتها على نحو خاص منظمة اتحاد الشيوعيين الإيرانيين ( سربديران ) التي خاضت مواجهات عنيفة مع نظام الملا لي سنة 1981 و سيطرت لأيام على مدينة أمول و هي التي تحولت سنة 2001 إلى الحزب الشيوعي في ايران( الماركسي اللينيني الماوي) ، أما المنظمة التي ناصرت آيات الله فهي منظمة زهمات التي تبنت نظرية العوالم الثلاث سيئة الصيت.
و في البلاد العربية لم يجدوا لإدانة الماوية غير الإشارة إلى انحرافات منظمات برجوازية صغيرة بخصوص الحريات السياسية أواخر السبعينات و كأنّ هذه الأمثلة حجة ضد ماو تسي تونغ بينما هم على بينة أنه في ذلك الوقت كانت جميع الفرق التي نسبت نفسها الى اليسار تقريبا واقعة تحت تأثير الماوية و لكن دون أدنى عمق نظري . ثم أليس من الإجحاف وصم الماوية بالعار لأن هذه الفرقة أو تلك قد خانت الثورة ، ألا يصح هذا الأمر بالنسبة الى الماركسية عامة وهو ما حدث سابقا و يحدث حاليا و سيحدث في المستقبل حيث نجد فرقا انتهازية تزعم قولا أنها شيوعية و ثورية بينما هي في خدمة الرجعية.؟
لقد جاؤوا بهذه الأمثلة كما ذكرنا للإشارة إلى مخاطر الاستتباعات المترتبة عن القول بوجود طرف رئيسي و طرف ثانوي في التناقض ، غير أنهم وقعوا هنا أيضا عن جهل في خلط بين التناقض الرئيسي و التناقض الثانوي من جهة و الطرف الرئيسي و الطرف الثانوي في التناقض من جهة أخرى.ونشير هنا إلى أنه بالنسبة إلى الظاهرة الاجتماعية توجد تناقضات مختلفة منها ما هو أساسي و ما هو رئيسي و ما هو ثانوي ، وأن هذه التناقضات تتحول إلى بعضها البعض ، فسيرورة الحياة الاجتماعية السياسية هي بمثابة تجلّي للتناقضات التي تحركها ، غير أنه في كل سيرورة لا يوجد إلاّ تناقض رئيسي واحد يحددها ، و دور الشيوعيين في هذا المجال هو الإحاطة بالتناقضات جميعها ، و تحديد طبيعة كل منها ومن ثمة ترتيبها بحسب أهميتها ، لما لذلك من انعكاس على مسار النضال الثوري و تطوراته المتلاحقة ، و بالتالي فانه لا يمكن صياغة البرنامج الاستراتيجي و الخطط التكتيكية للثورة دون معرفة الشيوعيين الدقيقة للتناقضات في هذا المجتمع أو ذاك، كما أن الممارسة العملية سوف تكون عمياء إذا لم توجهها نظرة صائبة للتناقض و أنواعه المختلفة مما يستلزم الربط الوثيق بين المعرفة والممارسة ، بين النظرية و التطبيق .
و في عصرنا الحاضر توجد تناقضات أساسية مثل التناقض بين الامبرياليات و التناقض بين الامبريالية و الشعوب و الأمم المضطهدة و التناقض بين رأس المال و العمل، و التناقض الرئيسي السائد على صعيد عالمي حاليا هو التناقض بين الامبريالية و الشعوب و الأمم المضطهدة و هو الذي يحدد تطور الظاهرة الاجتماعية السياسية الآن في معناها العام ، ولأجل هذا فإن العواصف الثورية تهب بشكل خاص على المستعمرات و أشباهها حيث تواجه الشعوب المناضلة الامبريالية و عملائها بقوّة السلاح. غير أن هذا الأمر الكلّي لا يلغي خصوصية التناقض الرئيسي في كل مجتمع على حدة ، فإذا كان التناقض الرئيسي في بلد مثل النيبال هو التناقض بين الامبريالية و عملائها من جهة والشعب من جهة ثانية ، فإن التناقض الرئيسي في المجتمع الأمريكي هو التناقض بين البرجوازية و البروليتاريا أي بين العمل و رأس المال.أما التناقض الثانوي فهو ذاك الذي يكون أخفّ حدّة و يوجد بين قوى اجتماعية سياسية توجد بينها مهام تاريخية مشتركة ، غير أنها تختلف في مهام أخرى مرتبطة خاصة بالمسار اللاحق للنضال الثوري ، فعلى سبيل المثال فإن التناقض بين البروليتاريا والفلاحين خلال الثورة الوطنية الديمقراطية هو تناقض ثانوي وليس تناقضا رئيسيا.
أما بالنسبة إلى الطرفين الرئيسي والثانوي ضمن التناقض فأمرهما مختلف تماما ، إذ يتعلق الحال هنا بالطرف المهيمن و الطرف المهيمن عليه ضمن الظاهرة التي يشقها التناقض . ففي المجتمع الرأسمالي فإن البرجوازية هي الطرف الرئيسي في التناقض بينها و بين البروليتاريا ، بينما تمثل هذه الأخيرة الطرف الثانوي ، و عندما يحصل العكس أي يتحول الطرف الثانوي إلى طرف رئيسي و الطرف الرئيسي إلى طرف ثانوي يكون التغيير في صميم الظاهرة الاجتماعية السياسية المعنية بالحديث هنا أي المجتمع الرأسمالي قد حصل.
و طبقا لهذه التوضيحات فإن الأمثلة التي قدمها نقادنا لا تتعلق بالطرفين الرئيسي و الثانوي ضمن التناقض و إنما بالتناقضين الرئيسي والثانوي و شتان ما بين هذا و ذاك ، لهذا فإن تحميل ماو مسؤولية قول بعض الجماعات بالتحالف مع الأطراف الظلامية بدعوى أنها تمثل الطرف الثانوي ضمن الرجعية لا ينم عن حجاج نظري متين بقدر ما يعبر عن انتقائية فجة و كذب صريح ، فالماوية تنظر إلى الجماعات الدينية الظلامية من زاوية التناقض الرئيسي بين الامبريالية و الشعوب و الأمم المضطهدة لا من حيث كونها طرف ثانوي ضمن هذا التناقض أو ذاك و اذا توخينا الدقة و دون الإغراق في تقديم أمثلة تفصيلية فان التيارات الخوجية هي المتحالفة الآن مع الظلامية بدعوى حشد كل القوى لمقاومة الاستبداد و فرض الحريات السياسية .
و في إطار مناقشة هذه المسألة نود الإشارة إلي التطابق التام بين منتقدينا و من ورائهم انور خوجا من جهة و التحريفية الخروتشوفية من جهة ثانية فقبل خوجا شن المحرفان الروسيان كونستانتينوف وسلادكوفسكي في كتابهما نقد المفاهيم النظرية لماوتسي تونغ هجوما سافرا علي الفهم الماوي للديالكتيك معتبرين انه يجد جذوره في الفلسفة الصينية الكلاسيكية التي تنظر إلي المتناقضات باعتبارها تبدل أماكنها فقط مما يعني عدم وجود أي تطور فكل شئ يدور في تكرار دائري حيث نقرأ " تتخلل تاريخ الفلسفة الصينية كلها فكرة وجود مبادئ متناقضة في الطبيعة و في المجتمع و عن علاقتها المتبادلة و تأثيرهما المتبادل، و لكن العلاقات المتبادلة بين تناقضات العالم الموضوعي عند الفلاسفة الصينيين لم تتم صياغتها بدقة كقانون عام لإثبات الوجود ،و يعاني مفهومهم عن التناقضات ميتافيزيقية مفرطة . و ظهرت التناقضات في الجوهر بعيدة عن بعضها البعض في الزمان و المكان ، و عند الانتقال من تناقض إلي آخر لم تحدث عملية داخلية للانتقال و الصلة بين المتناقضات و إنما مجرد تغيرها الخارجي أو تبديل الأماكن ، و عند هذا كان التطور يفهم علي انه يدور في تكرار دائري " (32) و يري المحرفان الروسيان أن كل ما كتبه ماو في الفلسفة لا علاقة له بالماركسية و إنما بالفلسفة الصينية الإقطاعية و البرجوازية الصغيرة حيث يقولان " مصادر الفلسفة الماوية هي 1) الفلسفة الصينية(الإقطاعية) 2 )التعاليم البرجوازية و البرجوازية الصغيرة سواء الصينية أو الأوروبية " (33) كما اتهم هؤلاء ماو بالابتذال تماما مثلما فعل منتقدونا فما قام به ماو برأيهم هو " تفسير مبسط مبتذل " (34) . ويبدو جليا أن الخوجية و السائرين على طريقها لم يفعلوا أكثر من نسخ التحريفية الروسية التي تتظاهروا بمعاداتها فالتهم الموجهة إلى ماو هي نفسها، يقول المحرفان الروس " إن الجمع الميكانيكي البحت بين الأضداد الواضحة في حد ذاتها لا يعني علي الإطلاق الجدلية العلمية و بالعكس فهو ابتذال و امتهان و تزييف لها " ( 35) - م ن ،ص61 و اتهام ماو بأنه مجرد برجوازي صغير يعود في حقيقة الأمر إلي الستينات عندما تصدي للتحريفيين الخروتشوفيين فرد هؤلاء بالقول انه ليس بماركسي و انه امتداد للفلسفة الصينية الإقطاعية و ممثل للتطلعات القومية الشوفينية التي تريد أن تجعل من الصين دولة كبري إلي آخر ذلك من منوعات الدعاية التحريفية التي افتضح أمرها بعد ذلك بشكل مدوي ، و التي يرددها منتقدو ماو بحذافيرها في بعض الحالات ففي كتاب : صفحات من سيرة ماوتسي تونغ السياسية لصاحبه فلاديميروف ريازانتسيف-دار التقدم- موسكو1976 نقرأ علي سبيل المثال :" تمكن الحزب الشيوعي للاتحاد السوفياتي من كشف جوهر الخط السياسي للقيادة الصينية و الذي اختلطت فيه النزعة المغامرة البرجوازية الصغيرة بشوفينية الدولة الكبرى"ص4 كما نقرأ ايضا ما يلي :" اخذ الاتجاه المرتبط أساسا باسم ماوتسي تونغ في التبلور في التيار البرجوازي الصغير الذي أطلقت عليه تسمية الماوية" ص32
و هذا الذي نقوله ليس اكتشافا لم يسبقنا إليه احد فالعلاقة بين التحريفية الخوجية و التحريفية الروسية تبينت معالمها للكثير من الباحثين حتى أننا نقرأ في معجم الماركسية النقدي ما يلي " إن انتقادات انور خوجا في كتابه الامبريالية و الثورة الصادر عن دار نورمان بيتون 1979 لا تختلف كثيرا عما فكر به دائما الشيوعيون القريبون من السوفييت" (36)

2- سلطة الطبقات الأربعة

يتناول منتقدو ماومسألة أخرى كثيرا ما أثير حولها اللغط كلما تعلق الحال بتصفية الماوية ، و هي سلطة الطبقات الأربعة. وقد بدأوا الحديث عن هذه المسألة بالإشارة إلى أن الثورة الصينية لم تكن غير ثورة برجوازية ديمقراطية و لا علاقة لها البتة بالاشتراكية ، و لا يدرك هؤلاء أنهم يسيرون بذلك في خط متناقض تماما مع ما قاله قادة شيوعيون بارزون و منهم ستالين نفسه الذي صرح مرات عدة بأن الثورة الصينية هي ثورة ديمقراطية من طراز جديد، يقول ستالين :" إن الصين بلد شبه إقطاعي مضطهد من طرف الامبريالية ، و لهذا السبب فإن الثورة الصينية ليست فقط ثورة برجوازية و إنما ثورة برجوازية من طراز مناهض للامبريالية" (37). و قد قدر عاليا دور الحزب الشيوعي الصيني و زعيمه ماو تسي تونغ بقوله " إذا كان الحزب الشيوعي الصيني قد تطور في وقت قصير من مجموعة تعد ألفي منخرط إلى حزب جماهيري يعد ستين ألف عضو، إذا كان الحزب الشيوعي الصيني قد نجح طوال هذه الفترة في تنظيم حوالي ثلاثة ملايين بروليتاري في النقابات، إذا كان الحزب الشيوعي الصيني قد نجح في جلب عشرات الملايين من الفلاحين في اتحادات الفلاحين الثورية، إذا كان الحزب الشيوعي الصيني قد نجح خلال هذه الفترة في أن يكسب إلى جانبه كتائب و وحدات بأكملها من بين الجيوش الوطنية، إذا كان الحزب الشيوعي الصيني قد نجح خلال هذه الفترة في تحويل فكرة هيمنة البروليتاريا من رغبة إلى واقع، إذا كان الحزب الشيوعي الصيني قد تمكن من تحقيق كل هذه النجاحات في وقت قصير فإن ذلك يفسر بأنه قد اتبع الطريق الذي رسمه لينين، الطريق الذي رسمته الأممية الشيوعية"(38) و في نفس الاتجاه أشادت الأممية الثالثة بالثورة الصينية و دور الحزب الشيوعي الصيني قائلة" إن الدور القيادي للبروليتاريا في الحركة الثورية يتوطد و يقوى، إن حزب البروليتاريا، الحزب الشيوعي الصيني، هو الحزب الوحيد القائد للسوفيات، هو منظم و قائد الجيش الأحمر للعمال والفلاحين، إن سيادة البروليتاريا تقوى و تتوطد... وهي تشكل جنينا و مرحلة انتقالية نحو ديكتاتورية البروليتاريا"(39).
هذا ما رأته العين المتفحصة للقادة الشيوعيين في الحكم على الثورة الصينية والحزب الشيوعي الصيني بقيادة ماو، أما العين المصابة بالعمى فقد رأت شيئا آخر مختلفا تماما و رغم أن حججها واهية فإنها تريدنا أن نصدق افتراءاتها. فنقاؤها " الشيوعي " و أحكامها الدقيقة الموضوعية لا يرقى إليها لا ستالين و لا الأممية الشيوعية الثالثة و يا للأسف !!
و للتدليل على قول ماو بسلطة الطبقات الأربعة يوردون الكلام التالي الذي قاله ماو قبل انتصار الثورة الصينية بفترة وجيزة" ماذا يعني الشعب؟ الشعب في الصين في المرحلة الراهنة هو الطبقة العاملة و طبقة الفلاحين و البرجوازية الصغيرة و البرجوازية الوطنية و تحت قيادة الطبقة العاملة و الحزب الشيوعي تتحد هذه الطبقات و تنشئ دولتها وتنتخب حكومتها وتمارس الديكتاتورية و الاستبداد على خدم الامبريالية أي على طبقة ملاكي الأراضي و البرجوازية البيروقراطية"(40 ). و لا يتحدث ماو في هذه الفقرة عن المستقبل و إنما عن ممارسة كانت قيد الحصول فقد كتب النص في 30 جوان 1949 بينما انتصرت الثورة في أكتوبر 1949. و المهم أن ماو يتحدث في لحظة تاريخية لم تنتصر الثورة خلالها بعد فيحث سائر طبقات الشعب على الاتحاد ضد الأعداء بينما فهم منتقدوه كلامه على أنه حدث بعد الثورة وشتان بطبيعة الحال بين اللحظتين.
و يبدو المنزع التروتسكي واضحا لديهم فهم أقرب إلى فهم تروتسكي لمسألة العلاقة بين الثورتين: الوطنية الديمقراطية والاشتراكية منهم الى موقف ستالين، إذ يعتقدون أن الثورة الوطنية يجب أن تؤول مباشرة إلى إرساء ديكتاتورية البروليتاريا و الفلاحين ، بينما يقول ستالين و ماو أنّ هذه الثورة تؤدي في مستوى أوّل إلى إرساء سلطة الديمقراطية الشعبية بقيادة الطبقة العاملة عبر حزبها الشيوعي و قد تكون الطبقات أربعة أو ثلاثة أو اثنتين و ذلك وفق واقع كل بلد و بالتالي فإن ماو لا يقدم وصفة جاهزة اسمها سلطة الطبقات الأربعة كما يصوّر نقادنا و إنما يتحدث عن واقع مخصوص هو واقع الصين على وجه التحديد حيث ظلت الطبقات الأربعة المذكورة محافظة بهذا القدر أو ذاك على سمتها الوطنية في مواجهة الامبريالية و أعوانها ، و لا يمكن في حال كهذه أن يأتي الشيوعيون و يقولون لحلفائهم الوطنيين : ليس لكم نصيب في السلطة القادمة فأنتم مجرد لحم مدافع نستفيد منكم ثم نلفظكم في أوّل فرصة ، و ذلك لسبب بسيط و هو أنّ هؤلاء الحلفاء إذا ما قيل لهم هذا الكلام و مورس فعلا ضدهم فإنهم سيتحولون إلى الطرف الآخر ، و لن تنجز الثورة بالتأكيد أهدافها و إنما ستصاب بالخيبة و الخسران .
و يرسم هؤلاء خط فصل بين ستالين و ماو عند مناقشة هذه المسألة فماو يقول بسلطة الطبقات الأربعة ، أمّا ستالين فإنه ينكرها و ما يجهلونه أنّ مصطلح الطبقات الأربعة هو مصطلح ستالين قبل أن يكون مصطلح ماو، بمعنى أن من صاغه و بلوره هو ستالين بالذات و عنه أخذ ماو و وافقه عليه لتلاؤمه مع مجرى الثورة الصينية في لحظة من لحظات تطوّرها حيث كانت تتطلب تحالف أوسع طبقات الشعب . لنقرأ ما قاله ستالين بتاريخ 1 أوت 1927 حتى نفهم المسألة :" إن حكومة الكيومنتانغ في كانتون التي مثلت كتلة الطبقات الأربعة كانت حكومة ثورية و ليس فقط ثورية و إنما أيضا نموذجا للحكومة الديمقراطية الثورية التي ستقوم في الصين في المستقبل " (41 ) بل إن ستالين دعا إلى انتماء الشيوعيين إلى الكيومنتانغ معتبرا إياه كتلة واسعة تضم العمال و الفلاحين و البرجوازية الصغيرة و البرجوازية الوطنية مع تشديده في ذات الوقت أن هذه الكتلة مؤقتة و أنها في مجرى تطور الثورة سوف تفسح المجال لظهور كتلة جديدة مكونة من طبقات ثلاثة هذه المرة وهي العمال و الفلاحين و البرجوازية الصغيرة المدينية و عندها يكون الشيوعيون قد غادروا الكيومنتانغ و استقلوا عنه تنظيميا .
و كان ستالين شديد الحرص على عدم خروج الشيوعيين من تلك الكتلة قبل الأوان كما دعا الشيوعيين في سائر البلدان المضطهدة إلى العمل ضمن تنظيم جبهوي مع البرجوازية الوطنية طالما ظلت طبقة ثورية حيث يقول " في البلدان التي لم يتوفر فيها بعد للبرجوازية الوطنية من سبب يجعلها تنقسم إلى حزبين احدهما ثوري و الآخر توفيقي ( إصلاحي ) كما في مراكش ، فان مهمة العناصر الشيوعية هي اتخاذ جميع التدابير اللازمة لإنشاء جبهة وطنية متحدة ضد الامبريالية ، إن حشد العناصر الشيوعية في حزب واحد لا يمكن أن يتم فيها إلا في مجرى النضال ضد الامبريالية و بخاصة بعد حرب ثورية ظافرة ضدّها" (42)
يتمسّك نقادنا بعذريتهم النظرية بشكل مبالغ فيه لذلك يرددون في كل موضع أن الثورة الوطنية الديمقراطية يجب أن تتوج بديكتاتورية العمال و الفلاحين لا بديكتاتورية مجموعة من الطبقات ، بينما يعد قول ماو بالديكتاتورية المشتركة لعدة طبقات تحريفيا، و بالإضافة إلى ما بيناه قبل حين من قول لستالين بهذا الخصوص فإننا بغاية إلقاء مزيد من الضوء على موقف ماو نورد الشواهد التالية، يقول ماو " يرتاب بعض الناس فيما إذا كان الحزب الشيوعي سيقيم عندما يملك زمام الحكم ديكتاتورية البروليتاريا و نظام الحزب الواحد إقتداء بروسيا أم لا؟ إن جوابنا هو أن دولة الديمقراطية الجديدة القائمة على تحالف عدة طبقات ديمقراطية تختلف مبدئيا عن الدولة الاشتراكية التي تمارس فيها ديكتاتورية البروليتاريا و مما لا يتطرق إليه الشك أن نظامنا هذا نظام الديمقراطية الجديدة سيتم إنشاؤه تحت قيادة البروليتاريا و الحزب الشيوعي" (43 ) أي أن سلطة الديمقراطية الجديدة إنما تعني تمثيلها لمجموعة من الطبقات الثورية التي اتحدت خلال النضال ضد الامبريالية، و أن هذه السلطة تقودها البروليتاريا عبر حزبها كما ذكرناه آنفا . و يحرص ماو هنا على إبراز خصوصيات الصين واختلاف الثورة فيها عن الثورة الروسية و الواقع الروسي قائلا " إن التاريخ الروسي هو الذي خلق النظام الروسي حيث ألغى النظام الاجتماعي الذي يستغل فيه الإنسان الإنسان وتحقق النظام السياسي و الاقتصادي و الثقافي لأحدث نمط من الديمقراطية أي للاشتراكية ونبذ الشعب جميع الأحزاب المناهضة للاشتراكية و لم يؤيد سوى الحزب البلشفي ، الأمر الذي أدى بروسيا إلى ما هي عليه اليوم ، وهذا بالنسبة للشعب الروسي ضروري و معقول تماما. لكنه حتى في روسيا حيث لا يوجد حزب سياسي آخر سوى الحزب البلشفي ، يطبق في أجهزة السلطة السياسية نظام التحالف بين العمال والفلاحين و المثقفين أو التحالف بين الحزبيين و اللاحزبيين، و ليس مسموحا للطبقة العاملة أو البلاشفة وحدهم بأن يباشروا أعمال تلك الأجهزة، إن التاريخ الصيني في المرحلة الراهنة سوف يخلق النظام الصيني للمرحلة الراهنة ، و خلال وقت طويل لاحق سوف يبرز إلى الوجود شكل خاص ، شكل ضروري ومعقول تماما بالنسبة إلينا يختلف في الوقت نفسه عن النظام الروسي ، ألا و هو شكل الدولة و السلطة السياسية للديمقراطية الجديدة القائمة على تحالف عدة طبقات ديمقراطية" (44).
الأمر يتعلق إذن بمراعاة خصوصيات الثورة الصينية و المجتمع الصيني ، لا تقديم وصفة جاهزة كما ذكرنا ، و هو ما بينته أيضا الأممية الثالثة التي أشارت في مقرراتها إلى " إن الديكتاتورية و الديمقراطية للبروليتاريا و الفلاحين في الصين ستكون مختلفة جوهريا عن الديكتاتورية الديمقراطية التي تصورها البلاشفة عام 1905"(45) . هذا من جانب و من جانب آخر يحرص ماو على الديمقراطية التي ينبغي أن تسود سواء خلال الاشتراكية أو نظام الديمقراطية الجديدة فالشيوعيون لا يمارسون الاستبداد على الشعب كما تروج لذلك البرجوازية ،و إنما يقرون بضرورة اعتماد الديمقراطية في تسيير شؤونه، يقول ماو " يجب على أجهزة السلطة السياسية للديمقراطية الجديدة أن تمارس نظام المركزية الديمقراطية حيث تقرر مجالس نواب الشعب على جميع المستويات السياسات الكبرى و تنتخب الحكومات، و هذه الأجهزة ديمقراطية ومركزية في وقت واحد، أو بعبارة أخرى هي مركزية على أساس الديمقراطية وديمقراطية تحت توجيه المركزية، إن هذا النظام وحده يمكن أن يعبر عن الديمقراطية الواسعة، إذ يخول السلطة العليا لمجالس نواب الشعب على جميع المستويات و في الوقت نفسه يمكن أن يضمن معالجة شؤون الدولة بطريقة مركزية ،إذ يمكن للحكومات على جميع المستويات أن تعالج بطريقة مركزية جميع الشؤون التي تعهد بها إليها مجالس نواب الشعب على جميع المستويات" (46) . و كان ماو على وعي تام بحدود السلطة الديمقراطية الشعبية وضرورة تجاوزها في اتجاه الاشتراكية و الشيوعية فهو ضد الديمقراطية البرجوازية التي ولى زمانها و مع الديمقراطية الشعبية التي دقت ساعتها ، أما المستقبل فهو للاشتراكية و الشيوعية، يقول:" أفلست الحضارة البرجوازية الغربية و كذلك الديمقراطية البرجوازية و مشروع الجمهورية البرجوازية في نظر الشعب الصيني،. إن الديمقراطية البرجوازية أخلت مكانها للديمقراطية الشعبية التي تقودها الطبقة العاملة ، كما أخلت الجمهورية البرجوازية مكانها للجمهورية الشعبية من هنا هذا الإمكان: المرور بالجمهورية الشعبية لبلوغ الاشتراكية والشيوعية و الوصول إلى زوال الطبقات" (47).
و إذا كان ماو قد أكد على سيادة الديمقراطية بين صفوف الشعب فإنه في المقابل يؤكد على ضرورة ممارسة الديكتاتورية و الاستبداد على أعدائه، يقول مجادلا الرجعية " « أنتم تمارسون الاستبداد » ( يردد الرجعيون ) صدقتم أيها السادة الأعزاء هذا بالضبط ما نفعله. إن كل التجربة التي كدسها الشعب الصيني خلال عشرات عديدة من السنين تعلمنا أن نمارس الديكتاتورية الديمقراطية الشعبية أو الاستبداد الديمقراطي الشعبي و هما شيء واحد في الواقع، أي أن نحرم الرجعيين من حق الكلام و ألا يكرس هذا الحق إلا للشعب " (48).
وكل هذا إنما يعني أن الديمقراطية الشعبية بمثابة البوابة التي تفضي فيما بعد إلى الاشتراكية و الشيوعية ، فهي ليست نهاية الطريق و إنما جزء منه فقط ، و خلالها تتمكن جماهير الكادحين من تحرير نفسها من سلطة القهر و الظلم التي لا توجد فقط في الواقع و إنما في الأذهان ايضا ، يقول ماو " إن الدولة الشعبية تحمي الشعب ، و بوجود مثل هذه الدولة فحسب يمكن للشعب أن يثقف نفسه و يعيد تكوينها بالأساليب الديمقراطية على نطاق وطني، و بمشاركة كل فرد من أفراد الشعب لكي يتخلص من تأثير الرجعيين المحليين و الأجانب ،و ليحرر نفسه من العادات و الأفكار السيئة التي تكونت لديه في المجتمع القديم حتى لا يسلك الطريق الخاطئ الذي يدله عليه الرجعيون، بل يواصل التقدم إلي الأمام نحو المجتمع الاشتراكي ثم المجتمع الشيوعي" (49)
ومثل هذه السيرورة التاريخية غير ممكنة بدون قيادة بروليتارية و لا مجال للتقدم ليس فقط في اتجاه الاشتراكية و الشيوعية، و إنما أيضا في اتجاه التحرر الوطني الديمقراطي في المستعمرات و أشباهها دون القيادة البروليتارية يقول:" إن الأعوام الأربعين من ثورة صن يات صن انتهت إلى الفشل لماذا؟ سبب ذلك يرجع بالتحديد إلى أن البرجوازية الصغيرة و البرجوازية الوطنية لا يمكنهما في عصر الامبريالية أن تقودا أية ثورة حقيقية إلى النصر، أما أعوامنا الثماني و العشرون فكانت تختلف اختلافا كبيرا. لقد اكتسبنا الكثير من التجارب القيمة، حزب قوي النظام مسلح بالنظرية الماركسية اللينينية يستخدم أسلوب النقد الذاتي و يرتبط بجماهير الشعب و جيش يقوده مثل هذا الحزب و جبهة متحدة تضم مختلف الطبقات الثورية و الجماعات الثورية و يقودها مثل هذا الحزب هذه هي الأسلحة الرئيسية الثلاثة التي ننتصر بها على العدو" (50).و يقول ماو في إشارة إلى الأسس التي يقوم عليها الاضطهاد في أذهان المقهورين :" إنّ الأنواع الأربعة من السلطان، السلطان السياسي والسلطان العشائري والسلطان الديني وسلطان الزوج تمثل كل عقلية و نظام الأبوة الإقطاعي وهي السلاسل الأربع التي تقيد الشعب الصيني " ( 51) .
المهم هنا هو القيادة البروليتارية أما التحالفات والسلطات المقترنة بها فهي متحركة متغيرة لذلك ينسب ماو هذه المسائل عند تحقيبه للمسار التاريخي للثورة الصينية ، ففي الفترة الثالثة الممتدة من سنة 1927 إلى سنة 1937 لم يعد معسكر الثورة يشتمل على طبقات أربع و إنما طبقات ثلاثة فقط ، يقول " و كانت الفترة الثالثة هي الفترة الثورية الجديدة الممتدة ما بين 1927 و 1937 ، فمن جراء التبدلات التي طرأت على المعسكر الثوري في نهاية الفترة السابقة إذ انتقلت البرجوازية الصينية الكبيرة إلى معسكر الامبريالية و القوى الإقطاعية المضادة للثورة و تبعتها البرجوازية الوطنية ولم يبق وقتذاك في المعسكر الثوري الذي كان في الأصل يشتمل على الطبقات الأربع إلا ثلاث منها و هي البروليتاريا و طبقة الفلاحين و الفئات الأخرى من البرجوازية الصغيرة" ( 52 ).
هكذا كانت نظرة ماو للمسألة أما نقادنا فقد نظروا إليها على نحو إطلاقي دغمائي يعبر عن كسل نظري فعوضا عن دراستها في خصوصيتها و تاريخيتها حولوها إلى صيغة جامدة و وصفة جاهزة مستبدلين التحليل الملموس للواقع الملموس بقوالب جامدة و افتراءات جوفاء.
مروجين الزعم القائل أن ماو يريد أن تتوج الثورة الوطنية الديمقراطية بديكتاتورية البرجوازية ، متغافلين كما بينا عن مسألة القيادة البروليتارية للسلطة الديمقراطية الشعبية ، و متجاهلين قول ماو " لماذا يمكن للثورة الصينية أن تتجنب مستقبلا رأسماليا فترتبط بالاشتراكية مباشرة دون اجتياز الطريق التاريخي القديم الذي اجتازته البلدان الغربية دون أن تمر بمرحلة من الديكتاتورية البرجوازية؟ ليس السبب في ذلك سوى العوامل المحددة الكائنة في وقتها" (53).
و ذلك الاتهام منسوخ في حقيقة الأمر عن التروتسكية التي سخرت من أطروحة الطبقات الأربعة ، و اعتبرتها استسلاما أمام البرجوازية و" شعارا تبريريا"و قبولا بقيادتها للثورة و الفرق الوحيد بين نقادنا و بين تروتسكي على هذا الصعيد هو أنهم يوجهون اتهامهم إلى ماو بينما يوجه تروتسكي الاتهام إلى ستالين ، لنقرأ ما يقوله تروتسكي " ما الذي تعنيه كتلة الطبقات الأربعة هذه في نهاية الأمر، هل صادفتم يوما حتى الآن هذا التعبير في الأدب الماركسي عندما تقود البرجوازية الشرائح المضطهدة تحت العلم البرجوازي"(54)و قد وقف تروتسكي ضد موقف ستالين الذي اعتبر أن البرجوازية الوطنية يمكن أن تؤدي دورا ثوريا في مواجهة الامبريالية في المستعمرات و أشباهها ، يقول تروتسكي "الحقيقة أن نظرية ستالين – بوخارين الجديدة حول وجود الروح الثورية التي تملكها البرجوازية الوطنية في المستعمرات عبارة عن منشفيه مترجمة إلي اللغة السياسية الصينية " ( 55)
و يلاحظ منتقدونا أن موقف ماو بخصوص البرجوازية الوطنية غير ثابت فهو يعتبرها تارة حليفا و طورا غير ذلك وهم لا يدركون أن ذلك قد ارتبط بمجرى النضال الثوري فالبرجوازية الوطنية في الصين لم تثبت على وضع نهائي حتى يكون الموقف منها نهائيا ، فقد سارت في بعض الفترات مع الثورة بينما خانتها في فترات أخرى، لذلك أكد ماو طابعها المزدوج كما شدد على أنها مرتبطة بألف خيط و خيط بالامبريالية ، أما بالنسبة للوجهاء المستنيرين فإن هؤلاء يصلون إلى استنتاج غاية في الركاكة عندما يقولون أن ماو قد تحالف معهم على أساس أخلاقي و الحجة على ذلك برأيهم هى أنه يقول بـ"الإقطاع المستنير" وهم يرون أن هذا الكلام لم يوجد بتاتا في الأدبيات الماركسية فهل تحيل "الاستنارة"إلى الأخلاق على وجه الحصر؟! أم إلى العقل و المقاومة و التقدم التاريخي وهو ما يشير إليه ماو عند حديثه عن هؤلاء بقوله " ينبغي لنا ألا نتخلى عن الوجهاء المستنيرين الذين تعاونوا معنا في الماضي ولا يزالون يتعاونون معنا في الوقت الحاضر، الذين يؤيدون نضالنا ضد الولايات المتحدة و تشانغ كاي شيك و يؤيدون كذلك الإصلاح الزراعي " (56). فهل المعيار هنا هو معيار أخلاقي أم سياسي/ اجتماعي ؟!
ويتظاهر منتقدونا بالذكاء فبعد أن أدركوا أن نصوص ماو تكذب ما يقولونه بخصوص القيادة البروليتارية للثورة الوطنية الديمقراطية استداروا على أنفسهم للمحاجة هذه المرة بالواقع متهمين ماو بتكريس قيادة العنصر البرجوازي الصغير للثورة و طغيان البرجوازية الصغيرة الريفية على الحزب و اعتماد تطويق الريف للمدينة.
إننا هنا إزاء سجل من القضايا مختلفة و هي :
- تركيبة الحزب الشيوعي في بلد شبه مستعمر شبه إقطاعي.
- قيادة الثورة في هذا البلد .
- المبدأ الاستراتيجي المتمثل في تطويق الريف للمدينة .
و ما ينبغي ملاحظته بإيجاز هنا هو ضعف البروليتاريا في مثل هذا البلد دون أن يلغي ذلك القيادة البروليتارية للثورة ، غير أن العناصر التي يتركب منها الحزب سوف ينعكس عليها ذلك الواقع بالتأكيد، أما الانطلاق من الريف على المستوى العسكري فيخضع إلى جملة من الاعتبارات و منها أن السواد الأعظم من الشعب يوجد فيه كما يتصف الريف بشساعته و ضعف العدو فيه ، مما يسمح للمفارز العسكرية الثورية بسهولة الحركة و قد أثبت اعتماد هذا المبدأ في الصين و الفيتنام سابقا و النيبال حاليا على سبيل الذكر صلاحيته و أدى إلى تحقيق انتصارات ساحقة على الامبريالية و عملائها. و يكشف اعتراض نقادنا على هذا المبدأ منزعهم التروتسكي الصريح فهم يقرون العمل في المدن بصورة رئيسية ضمن النقابات و ما شابهها من أطر قانونية و يتنكرون للريف و الفلاحين الفقراء و الحرب الشعبية.
بقي أن نشير هنا إلي أن نقاد ماو كثيرا ما يوقعون أنفسهم في مآزق ، فهم يعترفون أحيانا بسير الثورة الصينية في مختلف مراحلها في توافق مع توجيهات ستالين الذي دعمها بل ضبط تكتيكاتها في بعض الحالات، و من بينها تحالفاتها ، فإذا كانت الأمور قد سارت علي هذا النحو فكيف تكون الثورة الصينية مجرد ثورة برجوازية ؟ هل كان ستالين يضع تكتيكات و تحالفات ثورة برجوازية في الصين ؟ و كيف تقول الأممية الشيوعية الثالثة في حديثها عن الدولة التي ستقوم في الصين بعد انتصار الثورة أنها " لن تكون مجرد دولة برجوازية ديمقراطية ، إنها ستشمل دكتاتورية ديمقراطية للبروليتاريا و الفلاحين و الطبقات المستغلة الأخرى "(57)

3- الثورة الثقافية

يزيف نقاد ماو الوقائع التاريخية المتعلقة بالثورة الثقافية البروليتارية و يبخسون هذا الحدث الهام قيمته، فيصبح هدفه تركيز عبادة شخصية ماو و توطيد سلطته . و هم بقولهم هذا لا تقدمون اكتشافا جديدا ، فقد سبقهم الامبرياليون و التحريفيون من كل لون إلى إطلاق مثل هذه التهم . و لأجل هذا لم يجدوا من مصدر يستند ون إليه للافتراء علي هذه الثورة غير شتائم أنور خوجا الذي قضي ردحا طويلا من الزمن و هو يمدح " الرفيق العظيم ماوتسي تونغ " بحسب تعبيره ثم انقلب عليه فجأة بعد وفاته فأضحي تحريفيا و رجعيا و برجوازيا الخ...
لقد أيد حزب العمل الألباني بقيادة خوجا الثورة الثقافية عندما كان ماو علي قيد الحياة حيث نقرأ في احدي وثائقه " أيد حزبنا الثورة الثقافية تلبية لطلب ماو تسي تونغ شخصيا الذي صرح لحزبنا بأن الصين تتعرض لخطر هائل و لا يعرف من سينتصر في الصين القوي الاشتراكية أم التحريفيون "(58) و رغم رائحة الكذب التي تفوح من كلامه بزعمه أن ذلك التأييد تم بطلب من ماو فان المهم هنا هو التأييد المشار إليه الذي يجري التأكيد عليه في فقرة أخري من هذه الوثيقة حيث نقرأ" و أيد حزب العمل الألباني الصين في فترة حرجة للغاية عندما كانت الصين تتجاوز اضطرابات شديدة و تتعرض لهجوم وحشي من قبل الجبهة الامبريالية التحريفية الموحدة و ساند الخط العام للثورة الثقافية"(59) و لكن ماذا قال أنور خوجا بعد هذا التأييد ؟ لنقرأ ما كتبه بهذا الخصوص في مؤلفه "الامبريالية و الثورة " : " لقد بين مجري الأحداث أن الثورة الثقافية البروليتارية لم تكن لا ثورة و لا كبرى و لا ثقافية ، و خاصة ليست بروليتارية، لم تكن غير انقلاب قصر "(60)
لقد كان خوجا خائفا من أن يحتل موقعا خلفيا قياسا إلي القادة الشيوعيين العظام ، و تخيل انه بتشويه ماو و الافتراء عليه سوف يتمكن من أن يشغل موقع القائد الخامس إلي جانب ماركس و أنجلس ولينين وستالين ، و هو ما عبر عنه بوضوح قائلا " في صحفنا نعتنا ماو بالماركسي اللينيني العظيم و لكننا لم نستعمل أبدا و لم نوافق علي تعريفات الدعاية الصينية التي تصف ماو بأنه المرحلة الثالثة العليا للماركسية "( 61)
و نسجا علي منوال خوجا يري نقادنا أن الثورة المعنية ليست بروليتارية و لا ثقافية فما هي إذن ؟ إنها ثورة الشباب المثقف لا ثورة الطبقة العاملة، و هي في تقديرهم تحمل تناقضا فكيف تكون ضد السائرين علي الطريق الرأسمالي و الحال أن ماو قد أكد أن الاشتراكية هي النظام الاجتماعي المطبق في الصين ؟ و يخلط نقادنا هنا بين الاشتراكية و الشيوعية فالاشتراكية مرحلة انتقالية نحو الشيوعية و هي نظام اجتماعي يظل فيه الصراع الطبقي قائما و البرجوازية موجودة و الحق البرجوازي معمولا به و المبدأ المطبق خلال هذه المرحلة هو لكل حسب عمله غير أن ذلك لا يحقق المساواة التامة فكما يقول ماركس " رب فرد يتفوق جسديا أو فكريا علي فرد آخر فهو إذن يقدم خلال الوقت نفسه قدرا أكبر من العمل أو انه يستطيع أن يعمل وقتا أطول ... رب عامل متزوج و الآخر أعزب و رب رجل عنده من الأولاد أكثر من رجل آخر، و هكذا لقاء العمل المتساوي و بالتالي من الاستفادة المتساوية من الصندوق الاجتماعي للاستهلاك يتلقي أحدهم بالفعل أكثر من الآخر و يظهر أغني منه "(62)
هذه هي المرحلة الاشتراكية كما فهمها ماركس ، أما نقادنا فإنهم لا يعرفون عنها شيئا و يكتفون فقط بترديدها كشعار ليس أكثر ، و ما أدركه ماو هو أن هذه المرحلة تستوجب مواصلة القيام بالثورة البروليتارية للسير في اتجاه الشيوعية و هذا لا يمكن أن يتم بدون القضاء علي هؤلاء الذين استفادوا من الحق البرجوازي و أضحوا يهددون حركة التحول تلك بتحويل وجهتها إلي الوراء ، و بينما يتحدث ماركس عن وجود مثل هؤلاء الأغنياء باعتباره من بين " العيوب المحتومة التي لا مناص منها في الطور الأول من المجتمع الشيوعي " يتعجب نقادنا كيف يوجد هؤلاء و الحال أن المرحلة اشتراكية؟
و هم يعتمدون نفس الأساليب البرجوازية المستعملة في نقد القادة الشيوعيين عند حديثهم عن عبادة ماو فالتهمة ذاتها كثيرا ما وجهت الى لينين و ستالين ، وكان الهدف دائما التضليل لفصل جماهير البروليتاريا و عموم الكادحين عن قادتها . و هم يقعون في تناقض مع أنفسهم إذ يدعون من جهة أن ماو قاد ثورة برجوازية و قضي علي الحزب الشيوعي منذ 1935 و من جهة ثانية يتباكون علي " تصفية الدور القيادي للحزب الشيوعي " خلال الثورة الثقافية أي في الستينات من القرن الماضي ؟ًًًً و نلمح التناقض ذاته عند حديثهم عن عناصر بلشفية في الحزب الشيوعي الصيني فماذا كانت تفعل تلك العناصر في حزب برجوازي ؟ و الأغرب من ذلك أنهم يعتبرون أن الثورة الثقافية قد فشلت لان العناصر البرجوازية عششت بعد ذلك في جهازي الحزب و الدولة فإذا كانت تلك الثورة قد قامت كما قالت الجماعة نسجا علي منوال خوجا لتعزيز سلطة ماو البرجوازي فكيف تكون قد فشلت و الحال تلك؟
4- نظرية العوالم الثلاثة
يصب نقاد ماو جام غضبهم علي نظرية العوالم الثلاثة لكنهم لا يفعلون ذلك من موقع الاطلاع عليها و نقدها و إنما من موقع تقليد أنور خوجا بل إنهم يسقطون في فخاخ هذه النظرية باستعمالهم مفهوم "العالم الثالث" .و هم عندما ينسبونها الى مــــاو لا يجدون من حجة تدعم زعمهم غير المصادر التحريفية الروسية و الأقوال التي نسبتها طغمة هواكوفينغ - دنغ سياوبنغ الى ماوتسي تونغ بعد وفاته مثل ما ورد في كتاب نظرية الرئيس ما في انقسام العالم إلي ثلاثة الصادر سنة 1977، و دون التنبه إلي هذه القضايا يخولون لأنفسهم البوح بالاكتشاف التالي: " يدعو ماو و زمرته إلي تحالف العالم الثالث مع العالم الثاني مع قسم من العالم الأول "( 93) و نحن لا نستغرب ذلك من نقاد بلغ بهم الفقر النظري إلي حد وصف النظرية المذكورة بما يلي : " إن نظرية العوالم الثلاث نظرية رجعية لا طبقية " فكيف تكون هذه النظرية أو تلك لاطبقية ؟ أليست النظريات الفلسفية و الاقتصادية و الفنية الخ .... طبقية بالضرورة ؟ أم إن نقادنا يعتقدون أن هناك نظريات فوق طبقية مثل نظرية العوالم الثلاث و ذلك في عصر تنقسم فيه المجتمعات إلي طبقات متناحرة في مختلف المجالات بما في ذلك النظرية منها ؟
يعتبر الماركسيون اللينييون الماويون عبر العالم نظرية العوالم الثلاثة نظرية رجعية (63 ) و هذه النظرية لا علاقة لها بماو من قريب أو بعيد فالتحريفية الصينية هي من أنتجها و طبقها علي أرض الواقع ، وقد حاولت عبثا الاختفاء وراء ماو لترويجها، وقد افتضح أمرها غداة الانقلاب علي الخط الثوري ممثلا في ما سمي بعصابة الأربعة فقد أودع القادة الماركسيون اللينينيون الماويون السجون، ومنهم من تم اغتياله فيها مثل الرفيقة كيانغ تسينغ احدى أبرز قادة الثورة الثقافية التي ادعي التحريفيون البرجوازيون الصينيون أنها انتحرت في السجن ، و رغم هذه الوقائع فان منتقدينا ظلوا علي جهلهم و طفقوا يرددون ما عفا عليه الزمن .
ويبدو انه لا حدود لكذب نقاد ماو ، فهم لا يجد ون حرجا في اتهامه بالدعوة الى بإنشاء أممية رجعية، أبطالها و زعماؤها الدول الامبريالية و التحريفية و العميلة !!! و لا نري أن مثل هذا الكذب في حاجة إلي تعليق، لقد أوردناه فقط لكي يعرف القارئ المنحدر الذي ينزلق إليه نقادنا . و نحن لا ندعي أن سياسات الصين في النصف الأول من السبعينات كانت كلها علي ما يرام فقد ارتكبت بعض الأخطاء غير أن ذلك ينبغي أن يقرأ علي ضوء الصراع الذي كان مستعرا بين الخط البروليتاري الثوري و الخط البرجوازي ، حيث بدأت تلوح في الأفق معالم انتصار البرجوازية و زوال ديكتاتورية البروليتاريا ، و كان ماو نفسه مريضا و يقترب من الموت.
5- موقف ماو من ستالين
يتهم نقادنا ماو بأنه ساير ستالين أثناء حياته، و انقلب عليه بعد وفاته ،و هذا الاتهام لا يصح في الحقيقة علي ماو وإنما علي التحريفيين بمختلف ألوانهم مثل خروتشوف في علاقته بستالين ، و خوجا في علاقته بماو بالاضافة طبعا لنقادنا في علاقتهم بالماوية . و كان بإمكانهم تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود علي هذا الصعيد لو لم ينساقوا وراء الخوجية بصورة عمياء بالتمييز بين مؤلفات ماو الحقيقية و تلك المنسوبة زيفا إليه ،و نعني رئيسيا المجلد الخامس و هو ما أسلفنا الإشارة إليه.
إنهم يلوكون اتهامات خوجا لماو التي تبين زيفها مثل قولهم " إن ماو و زمرته سايروا الردة في روسيا زمن رفيقهم خروشوف رغم إعلان المبادئ الخمسة التحريفية في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي الروسي سنة ¬ 1956" فهل كان ماو رفيقا للتحريفي خروتشوف أم انه من قام بفضحه في الإبان ؟ من قاد الشيوعيين عبر العالم للتصدي للتحريفية الخروتشوفيية ؟ أليس ماو بالذات ؟ إن نقادنا لم يقرأوا التاريخ كما أنهم تجهلون تماما الوثائق التاريخية التي أصدرها الحزب الشيوعي الصيني بقيادة ماو بهذا الخصوص و لان الجهل ليس حجة فإننا نطالبهم بالقليل القليل من القراءة قبل الخوض في هذه القضايا ، و عندها فقط ربما أدركوا حجم الأوهام التي روجوها ،و صححوا وجهات نظرهم .
و علي غرار ما كتبه خوجا يرد د هؤلاء ان ماو لم يتخذ موقفا من الطغمة الحاكمة في روسيا إلا في سنة 1964 ، لا من منطلق مبدئي بل انطلاقا من اعتبارات شوفينية قومية برجوازية صغيرة ، و بالإمكان هنا أيضا إرجاع اتهام خوجا هذا إلي التحريفية الروسية حيث نقرأ في كتاب نقد المفاهيم النظرية لماوتسي تونغ " علي عكس الماركسية قامت الفلسفة الماوية أساسا علي أساس قومي صيني ضيق " (64) . ولكن إذا كان ذلك قد تم فعلا فلماذا لم يندد به حزب العمل الألباني في حينه و لماذا سكت نقاد ماو عن ذلك و لم يكتشفوه إلا في وقت متأخر ، بينما قضوا وقتا طويلا في مدح الرفيق ماو، لنقرأ ما تقوله احدي الوثائق الألبانية التي تنفي في سنة 1978 أن يكون حزب العمل الألباني قد تهجم في أي وقت علي الحزب الشيوعي الصيني " ليس هناك أي تهجم علي الصين أو الحزب الشيوعي الصيني و ماوتسي تونغ "(65) أي انه إلي حدود سنة 1978 لم تنقد القيادة الألبانية ماو و الحزب الشيوعي الصيني ، و اللافت للانتباه أن خوجا عندما أصدر كتابه تأملات حول الصين سنة1978 ضمنه ملاحظات تعود ا لي سنة 1973 و ما يليها ، و هو ما يعني انه إما كان يخفي حقيقة موقفه، أو انه كذب فقال انه كان يري كذا و كذا غير أن الفرصة لم تكن سانحة للتعبير عن موقفه ، و في الحالتين فان ذلك لا يمكن أن يصدر عن قائد شيوعي .
و لتوضيح هذه المسالة نعود إلي ما صرح به حزب العمل الألباني و زعيمه أنور خوجا باعتباره يعبر عن تلك الازدواجية و ذلك التقلب اللذان وقع نقادنا في فخاخهما ، فخوجا يعترف صراحة بالدور الذي قام به ماو و الشيوعيون الصينيون في مقاومة التحريفية المعاصرة قائلا " لقد أصيب التحريفيون السوفيات بهزائم كبيرة و يمكننا القول أن نضال حزبينا ضدهم كان السبب الرئيسي لهزيمتهم "(66) معترفا بالدور الهام الذي اضطلع به الشيوعيون الصينيون في مقاومة التحريفية الكروتشوفية بالقول " إن حزبينا قد أديا و لا يزالان يؤديان واجباتهما ضمن هذا الصراع "(67 ) كما يقول أيضا " إن دور الصين الشعبية و سياستها الصائبة و الخطة التي تتبعها و يتبعها الحزب الشيوعي الصيني بقيادة الرفيق ماو تسي تونغ أصبحت عاملا هاما علي الصعيد العالمي و الحركة الشيوعية العالمية و نضال الشعوب الوطني التحرري من اجل التقدم و السلام و النضال من أجل التحرر و الاشتراكية " (68) فكيف يدعي في وقت لاحق أن الحزب الشيوعي الصيني لم يخض هذا الصراع و هو ما وصل إلي مسمع نقادنا فرددوه دون تمحيص ؟
إن الذي حدث بعد ذلك هو أن الدولة الصينية بعد الانقلاب على الماوية قطعت مساعداتها عن ألبانيا في 7 جويلية 1978، و اعتبرت القيادة الألبانية ذلك عملا غادرا يستوجب التنديد ، لكنها عوض تركيز نيرانها علي التحريفيين الصينيين صوبتها علي ماوتسي تونغ الذي ألحقت به تلك التحريفية نفسها بالغ الضرر. و لو أحسن أنور خوجا قيادة المواجهة ربما كان وضع الحركة الشيوعية اليوم أفضل حالا ، فهو بهجومه علي ماو تسبب في شق تلك الحركة و إضعافها ، وهو ما لا تزال تعاني منه حتى اليوم .
و قد توغل خوجا في هذا الطريق إلي الحد الذي فضل فيه جبهة التحرير الجزائرية على الحزب الشيوعي الصيني قائلا " لقد قاوم الشعب الصيني ، لقد قاوم الشيوعيون الثوريون مع ماو و آخرين ،و لكن ذلك كان نضالا للتحرير الوطني لم يؤد إلي دعم الحزب وفق المعايير الماركسية اللينينية و لا دعم السلطة في شكل ديكتاتورية البروليتاريا. و الجزائريون قاوموا هم أيضا كوطنيين و لكنهم طهروا صفوفهم من الأعداء بينما لم يفعل الشيوعيون الصينيون ذلك و لهذا السبب فإنهم يعانون "(69) ، يا لها من مقارنة مضحكة تنم عن ضيق أفق كبير من طرف شخص فقد البوصلة الشيوعية فراح يخبط خبط عشواء . و لم يقف خوجا عند هذا الحد و إنما راح يصنف الحزب الشيوعي الصيني باعتباره تحريفيا و بما ان ماو هو العقدة الرئيسية التي يعاني منها فقد قرن بين الانحراف و بين ماو قائلا " إن فكر ماوتسي تونغ منوعة من منوعات التحريفية ، و لقد تشكل قبل الحرب العالمية الثانية و بالأخص بعد 1935 عندما اعتلي ماو رئاسة الحزب " (70) .
يدعي بعض نقاد ماو اليوم أنهم ليسوا خوجيين و أنهم توصلوا إلي ما توصلوا إليه بعبقريتهم الخاصة فقد قرأوا ماو و بلوروا بخصوصه نظرة موضوعية ، و لكنهم بعد توجيه الشتائم إلى ماو الذي ساير الخروتشوفيين برأيهم و لم يغير رأيه حولهم إلا من منطلق قو مي شوفيني يفصحون عن انحرافهم الخوجي الذي هو في الأصل انحراف ترو تسكي كما بينا مؤكدين أن من قاوم التحريفية الكروتشوفية هو حزب العمل الألباني .
لقد بينت وقائع الحياة طبيعة الانحراف الخوجي ، و كيف تحول الحزب الخوجي إلي حزب اشتراكي ديمقراطي باع ألبانيا للامبرياليين الأمريكيين و الحلف الأطلسي الذي يملك الآن في ألبانيا العديد من القواعد العسكرية كما تفسخ الخوجيون في مختلف البلدان و تحولوا إلي جماعات تكتفي بالعمل في إطار شرعية البرجوازية ولا تتحرج من التحالف مع القوى الظلامية ، و أقصي ما تطالب به هو احترام حقوق الإنسان و الدفاع عما يسمي بالمجتمع المدني و السمسرة بنضال الشغيلة بتوظيف العمل النقابي للمصالح البيروقراطية الشخصية ، أما الماويون فقد ثبتوا في النضال ضد الامبريالية و أعوانها و يقودون الآن في عدد من البلدان من أمريكا اللاتينية إلي آسيا حروبا شعبية ظافرة مؤكدين من يوم لآخر أنهم الورثة الشرعيون للقادة الشيوعيين العظام و للتجارب الثورية من كومونة باريس إلي الثورة الثقافية البروليتارية العظمي و الحرب الشعبية في نيبال.
ولكن لنعد إلي مسألة ستالين، لقد أخذ نقادنا عن خوجا وخوجا أخذ بدوره عن التحريفيين الروس و الصينيين ، و المنبع واحد كما يلاحظ القارئ فقدم هؤلاء لنا لا ماو الحقيقي و إنما ماو الذي صنعه خيالهم ، و أرادوا أن نصدق مزاعمهم ، و لكن الحقيقة تظل وحدها ثورية و الوقائع عنيدة علي الدوام فماو لم يناقض نفسه و لم يتنكر لستالين ، لقد قدر قيمته إبان حياته و بعد مماته لنصغي إلي ما قاله حوله ، ففي سنة 1939 كتب يقول "إن أغلبية الجنس البشري في العالم كله تعاني اليوم من البؤس و الشقاء ، و لا تستطيع الخلاص منها إلا بإتباع الاتجاه الذي بينه ستالين " (71) و ذلك في إشارة منه للدور الكبير الذي اضطلع به في ذلك الحين ستالين في قيادة البشرية المناضلة ، أما عندما أفصحت التحريفية الروسية عن عدائها لستالين فقد وقف ماو و الشيوعيون الصينيون في مقدمة الصفوف دفاعا عن ستالين و فضحوا التحريفية المعاصرة مما أدي إلي إلحاق هزائم مرة بها. و في احدي وثائق الحزب الشيوعي الصيني الصادرة في تلك الفترة نقرأما يلي "لقد اتهم قادة الحزب الشيوعي السوفياتي الحزب الشيوعي الصيني بالدفاع عن ستالين ، نعم نحن ندافع عن ستالين ، ففي حين يشوه خروتشوف التاريخ و ينكر ستالين إنكارا كليا ، يقع علينا طبعا واجب لا مفر منه و هو أن نهب لندافع عن ستالين من أجل مصالح الحركة الشيوعية العالمية" (72) . كما تفضح هذه الوثيقة الكيفية التي تعامل بها المحرفون الروس مع مسألة ستالين فهم " لم يقوموا بتحليل تاريخي علمي شامل لحياة ستالين و أعماله، بل أنكروه كليا بدون أي تمييز بين الصواب و الخطأ و لم يعاملوا ستالين كرفيق بل عاملوه كعدو ، إنهم لم يتخذوا أسلوب النقد و النقد الذاتي لتلخيص الخبرة بل ألقوا مسؤولية جميع الأخطاء علي ستالين أو نسبوا له الأخطاء التي لفقوها عمدا ... إنهم لم يعرضوا الحقائق و لم يناقشوا الأمور بل شنوا هجمات ديماغوجية شخصية علي ستالين بغرض تسميم العقول " (73). و نبه الشيوعيون الصينيون بقيادة ماو إلي أن الافتراء علي ستالين قد تم علي أرضية استغلال تهمة عبادة الشخصية ( و هي بالمناسبة التهمة ذاتها المستعملة من قبل خوجا و السائرين علي طريقه ضد ماو تسي تونغ) حيث تفضح الوثيقة المذكورة الأهداف الحقيقية للتحريفيين وهي " أولا، أن يضعوا ستالين قائد الحزب بحجة مقاومة عبادة الفرد في موضع معارض لتنظيم الحزب و البروليتاريا و جماهير الشعب . ثانيا، أن يلوثوا الحزب البروليتاري و ديكتاتورية البروليتاريا و النظام الاشتراكي بحجة مقاومة عبادة الفرد. ثالثا ،أن يرفعوا مراكزهم بحجة مقاومة عبادة الفرد و يهاجموا الثوريين المخلصين للماركسية اللينينية ، حتى يعبدوا الطريق لمدبري المكائد المحرفين لاغتصاب قيادة الحزب و الدولة . رابعا، أن يتدخلوا بحجة مقاومة عبادة الفرد في الشؤون الداخلية للأحزاب و البلدان الشقيقة التي تلتزم بالماركسية اللينينية و يصدعوا الحركة الشيوعية العالمية " (74)
و ما لا يعرفه نقادنا أن خوجا كان قد ساير في البداية التحريفية الروسية في هجومها علي ستالين حيث خطب قائلا " نحن متفقون تماما علي نقد عبادة شخصية ستالين باعتبارها ضارة بحياة الحزب "( 75) تماما مثلما نقد عبادة شخصية ماو سنة 1978 ذاك الذي وصفه في سنة 1976 بـ " الماركسي الللينيني العظيم " . و يذكر خروتشوف كيف وقف خوجا إلي جانبه في الحملة علي عبادة شخصية ستالين و حضر المؤتمرين العشرين و الواحد و العشرين حيث يقول " خلال سنوات طويلة كان قادة ألبانيا ينوهون بالتماثل التام في وجهات النظر بينهم و بين اللجنة المركزية لحزبنا و الحكومة السوفياتية حول جميع مسائل الحركة الشيوعية العالمية . و قد أكدوا أكثر من مرة مساندتهم لاتجاه المؤتمر العشرين، و لقد أعلن ذلك الأمين الأول للجنة المركزية لحزب العمل الألباني أنور خوجا في الخطب التي ألقاها في المؤتمرين العشرين و الحادي و العشرين لحزبنا ، و إن المؤتمر الثالث لحزب العمل الألباني الذي عقد بعد المؤتمر العشرين بقليل قد أيد تأييدا تاما انتقاد عبادة الفرد" (76)

6- مفهوم شبه مستعمر شبه إقطاعى
انصب اهتمام نقاد ماو أيضا علي إثبات أن مقولة شبه مستعمر شبه إقطاعي ليست ماوية في أصلها ، و للغرض بينوا أن العبارة وردت لدي أنجلس و لينين و ستالين كما استعملت من قبل الأممية الشيوعية الثالثة و الواضح أنهم يعانون من إحراج شديد فهم من جهة يقولون بهذا التحديد لنمط الإنتاج في المستعمرات و أشباهها ، و من جهة ثانية يودون التخلص من تأثير ماو الذي بلور ذلك التحديد. و هم علي المستوي العلمي يعانون من انعدام وضوح الرؤية فقد وقعوا في خلط بين الحديث عن هذه المفهوم أو تلك وبين تدقيقه و تنظيره بالمعنى الفلسفي فانجلس و لينين و ستالين استعملوا هذه المقولة غير أنهم لم يبلوروها في شكل نظرية قائمة الذات أما من قام بذلك فهو ماو وليس في هذا استنقاصا من قيمة القادة الشيوعيين الذين سبقوه مثلما لا تعد نظرية لينين حول الامبريالية إلغاء لمساهمات ماركس الرائدة حول الراسمالية . لقد قاد ماو الثورة في بلد شبه مستعمر شبه إقطاعي فقام بتحقيقات ميدانية و استخلص قوانين علمية من الواقع الذي درسه، و حتى نوضح الأمر نقول إن اليونانيين القدامى تحدثوا عن الذرة ،غير أن حديثهم ذاك لم يبلغ درجة المفهوم العلمي ،و قد تم ذلك فقط مع الفيزياء المعاصرة ، كما تحدث هؤلاء عن كروية الأرض غير أن من تنسب إليه نظرية كروية الأرض هو غاليلالي ،و لا أحد غيره، لأنه من برهن علي ذلك علميا . لأجل هذا فإننا عندما نعود إلي ماو نلاحظ انه لم يستعمل ذلك التحديد بشكل عابرو إنما دققه فكانت إضافته الهامة التي لا يزال الترتسكيون بمختلف أصنافهم يرفضونها ، و من هنا فان تجريده من هذا الإبداع يماثل ما يقوم به بعض المفكرين البرجوازيين الذين يزعمون مثلا أن ماركس لم يأت بجديد يذكر فقد سبقه فورييه و أوين و سان سيمون في الحديث عن الشيوعية و هيجل في الحديث عن الديالكتيك و ريكاردو في الحديث عن مفهوم القيمة الخ... و ما لا يدركه نقاد ماو هو أن النظرية الشيوعية علم و ليست دينا لذلك فإنها مفتوحة دوما للإضافة و مأثرة ماو انه أضاف الكثير في هذا المجال. لأجل هذا ينبغي التفريق بين النظرية العلمية و الحديث العابر عن هذه المسالة أو تلك.
إن مساهمة ماو علي هذا الصعيد تتمثل في استلهامه لما قاله القادة الشيوعيون الذين سبقوه و دراسته لواقع المجتمع الصيني و استنتاجه أن نمط الإنتاج السائد فيه هو شبه مستعمر شبه إقطاعي و هو ما يصح علي بلدان كثيرة أخري ، ومن ثمة حدد اتجاه الثورة و مهامها التاريخية و مساهمته هذه التي تضاف إلي مساهمات كثيرة أخري هي التي جعلته يتبوأ موقعه إلي جانب ماركس و أنجلس و لينين و ستالين عن جدارة.

الهوامش:






1- ستالين ، المادية الجدلية و المادية التاريخية، ضمن كتاب : مسائل اللينينية، الترجمة الفرنسية، دار النشر باللغات الأجنبية ، بكين 1977 ، ص 855
2- لينين المادية و المذهب النقدي التجريبي( حول الديالكتيك)، الترجمة العربية، ضمن : المختارات المجلد 4، دار التقدم موسكو، 1978 ص 468
3 جورج بوليتزار ، أصول الفلسفة الماركسية القسم الأول ، المكتبة العصرية ، بيروت-صيدا ص129
4- م ن ،ص ن
5- ماو،المختارات، المجلد 1،بكين، دار النشر باللغات الأجنبية ، الطبعة الثانية 1977، ص 455
6-م ن ،ص456
7- م ن ،ص 458
8-م ن ،ص ن
9-م ن ، ص459

10. لا يدرك نقاد ماو أن الطبقة العاملة تتضمن داخلها مجموعة من الاتجاهات و التيارات و هو ما بينه البيان الشيوعي الذي يتحدث فيه ماركس و انجلس عن " الشيوعيين (باعتبارهم ) من الناحية العملية احزم فريق من أحزاب العمال في جميع البلدان و أشدها عزيمة " وكذلك ستالين الذي يقول " ما هو التيار السياسي في الطبقة العاملة ؟ إن التيار السياسي في الطبقة العاملة هو عبارة عن جملة من الناس أو حزب له سحنته السياسية الخاصة به المحددة تحديدا دقيقا واضحا، و له مبادئه و مناهجه و هو الذي لا يخفي ، أو لا يستطيع أن يخفي طريقته في النظر إلي الطبقة العاملة، بل ينادي بها صراحة و بأسلوب شريف تحت أنظار الطبقة العاملة، و هو الذي لا يخشي إظهار سحنته السياسية للطبقة العاملة و إعلان أهدافه و غاياته الحقيقية أمام الطبقة العاملة بل يتجه علي العكس نحو هذه الطبقة بوجه سافر لإقناعها بصحة وجهة نظره " انظر: الإنسان أثمن رأسمال و في سبيل تكوين بلشفي ، دار دمشق ، دمشق ، بدون تاريخ ، ص 30-31 و رغم أن التروتسكية كانت معادية للشيوعية فقد اعتبرها ستالين تيارا سياسيا ضمن الطبقة العاملة قائلا" كانت التروتسكية في قلب الطبقة العاملة احدي التيارات السياسية من ذلك النوع المعادي للينينية" المصدر نفسه ص 31 و قد كفت عن أن تكون كذلك عندما لجأت إلي التآمر و المكر و إخفاء حقيقتها كما يبين ستالين .

11-ماو ، المختارات ،المجلد 1، مصدر سابق ، ص486

12- ستالين ، مسائل اللينينية، الترجمة الفرنسية، دار النشر باللغات الأجنبية ، بكين1977 ، ص339


13- ماو ، المختارات، المجلد 1،مصدر سابق،ص489
14- م ن ، ص ن
15- ماو ، المختارات ، المجلد 1، ص 489

16- ماو المختارات، المجلد 1، ص489
17- م ن ، ص ن
18- لينين، الدفاتر الفلسفية ،ترجمة الياس مرقص، دار الحقيقة ، بيروت 1983 ، ص136
19-م ن ، ص 241
20- ماو ،المختارات ، المجلد 1،ص 490
21- م ن ،ص 491
22- م ن ، ص 492

23ـ لاوتسو هو من وضع أسس المذهب التاوي، و قد عاش خلال القرن السادس قبل الميلاد و تعني كلمة لاوتسو المعلم العجوز، وهو من ألف كتاب " تاو-تي-كنغ" أو ما يمكن ترجمته ب " الطريق" وعنه نشأت الديانة التاوية ، انظر : عمر عبد الحي ، الفلسفة و الفكر السياسي في الصين القديمة ، المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر، بيروت1999 . انظر أيضا: لاوتزو ، التاو،نصوص من الفلسفة الصينية القديمة ، ترجمه هادي علوي، دار ابن رشد ، بيروت 1981 ، انظر أيضا ترجمة فراس السواح لنفس الكتاب تحت عنوان : التاو إنجيل الحكمة التاوية في الصين، دار علاء الدين، دمشق 2000 ، حيث نقرأ في فاتحة الكتاب " يعزي كتاب التاو إلي حكيم صيني غامض السيرة يدعي لاوتسو عاش حياته خلال الفترة الواقعة بين أواسط القرن السادس و أواسط القرن الخامس قبل الميلاد" ص 5 . و قد نقد ماو التعاليم التاوية وبين تهافتها .
24- ماو ، المختارات ، المجلد2 بكين 1969 ، دار النشر باللغات الأجنبية، ص 530
25- م ن ، ص532
26 –م ن ، ص ن
27- م ن ، ص515-516
28 -ماو ، المختارات ، المجلد 1 ، ص 61
29-المصدر نفسه ، ص 64
30-م ن ، ص ن
31-بوليتزار، أصول الفلسفة الماركسية، القسم الأول ، م س ، ص 187-188

32-ماو المختارات ، المجلد 1، ص 457-458

33- مجموعة من الكتاب الروس، نقد المفاهيم النظرية لماوتسي تونغ ، دار التقدم ، موسكو 1974 ،ص20
34خاطئ ربما تثبت -م ن ، ص 18
34- م ن ، ص 43
35 – م ن ،ص44
36- م ن ، ص 50
37 – سوسان - لابيكا ، معجم الماركسية النقدي ،الترجمة العربية ، محمد علي الحامي - الفارابي، الطبعة الاولي ، بيروت 2003 ،ص

38- ستالين، الماركسية و المسالة القومية و الكولنيالية، الترجمة الفرنسية ، منشورات نورمان بيتون، باريس 1974 ،ص263
39- م ن ، ص 309
40-أورده: شرام- دنكوس ، الماركسية اللينينية أمام مشاكل الثورة في العالم غير الأوربي، دار الحقيقة ، الطبعة الثانية، بيروت 1988 ، ص312
41- ماو ، المختارات ، المجلد4 ،بكين 1973 ، ص 528
42- ستالين ، الماركسية و المسألة القومية و الكولنيالية ، مصدر سابق ، ص 298
43-م ن ، ص 286
44- ماو ، المختارات ، المجلد 3، بكين 1973 ،ص 319
45 م ن ، ص 319-320
46 أورده :شرام ، مصدر سابق، ص310
47- ماو المختارات ، المجلد 3 ، ً 313
48- ماو ، المجلد 4 ، ص523
49- م ن ، ص 528
50- م ن ، ص 529
51- م ن ، ص 533-534
52- ماو ، المجلد 1 ، ص60
53-ماو ، المختارات ، المجلد 2 ، بكين 1973 ،ص524-525
54- ماو ، المجلد 1، ص 495

55- تروتسكي ، تقييم و آفاق الثورة الصينية ، دار الطليعة، بيروت 1975 ص 23
56- تروتسكي ، أورده شرام ، مصدر سابق، ص293
57- ماو ، المجلد 4 ، بكين 1973 ،ص266



58- ريزنيكوف ، الكومنترن و الشرق، دار الفارابي ، الطبعة الأولي ، بيروت 1987 ، ص 318
59- وجهات النظر الصينية أمام محكمة التاريخ ، وثائق حزب العمل الألباني ، الدار الدولية للطباعة و النشر، ص 135
60- م ن ، ص 136
61 – أنور خوجا ، الامبريالية و الثورة،النسخة الفرنسية، تيرانا 1979، ص413
62- م ن ، ص ن
63-ماركس - أنجلس ، المختارات ، الجزء 2 دار التقدم موسكو، ص 224
64 ـ رغم اختلافنا مع شارل بتلهايم الذي يعتبر أن من أسباب الهزيمة التي مني بها الخط الثوري في الصين هي عدم قطعه مع ستالين فان النقد و الإيضاحات التي يقدمها بخصوص نظرية العوالم الثلاثة حرية بان تدرج هنا حيث يقول " لسنا موافقين علي مفهوم نظرية العوالم الثلاثة... ويجب الإشارة إلي عدم استناد هذه النظرية علي أية قاعدة علمية، و عدم تطابقها مع الواقع بل تفترض بصورة خاطئة أن التعارض بين العالم " الثاني" و " العالم الثالث " قد يؤدي إلي تغلب الوحدة علي التناقض. إذ يبرز التاريخ الحديث و الراهن عن عمق النزاع بين بلدان العالمين ( و حدة النزاع أيضا بين بلدان العالم " الثالث ") . لقد كشفت الأحداث السياسية الماضية و الراهنة عن مدي تبعية معظم بلدان هذه " العوالم " لاحدي القوتين العظميين. و لا تصح الحجة السلطوية علميا للذين ينسبون هذه النظرية لماو تسي تونغ ، إذ أنها تسقط التناقضات الطبقية من حسابها و لا تتكلم إلا عن تناقضات بين البلدان... و لا يوجد لماو أي نص حول هذا الموضوع و قد ظهر أول إعلان رسمي لهذه النظرية في خطاب دنغ سياو بنغ في الأمم المتحدة" بتلهايم ، تساؤلات حول الصين بعد وفاة ماو ،المؤسسة العربية للدراسات و النشر، بيروت1979 ص100 .
65 مجموعة من الكتاب الروس، نقد المفاهيم النظرية لماوتسي تونغ

66 – أنور خوجا في لقاء له مع شوان لاي سنة 1965 انظر:وجهات النظر الصينية .. وثائق ح ع الألباني ، مصدر سابق ،ص63
67- م ن ،ص 71
68- م ن ، ص 44
69ـ أنور خوجا أفكار حول الصين،القسم الثاني ، النسخة الفرنسية ، تيرانا 1979، ص333 ،
70- الامبريالية و الثورة ، مصدر سابق ، ص 416

71ـ ماو ، المجلد 2 ، ص 465
72- الحزب الشيوعي الصيني ، حول مسألة ستالين ، بكين 1963 دار النشر باللغات الأجنبية، ص 8
73 – م ن ،ص 10
74- م ن ، ص 22
75- خطاب أنور خوجا في مؤتمر الأحزاب الشيوعية و العمالية المنعقد في 16 نوفمبر 1960
76- نيكيتا خروتشوف ، تقرير عن نشاط اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي في المؤتمر 22 ، بتاريخ 17 تشرين الاول 1961، ص99 . (الترجمة العربية)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق