الأحد، 9 سبتمبر، 2012

لماذا ينبغى العودة مجددا لتقييم إسهامات ستالين ؟





" ان الافتراءات تنهال عليه و هو يريد سماع الاستحسان لا في اصوات المديح العذبة بل في حماة الشتائم و الانفعال " الشاعر الروسى نيكراسوف

عند حديثه  عن الاشتراكية العلمية يلاحظ فريدريك انجلس وجوب دراستها باستمرار ، فمن تلك الدراسة يمكن استخلاص فوائد كبرى ياتى في صدراتها تصليب عود الاحزاب الشيوعية و القطع مع اوهام كثيرة يمكن ان تلحق اذى بالغا بحركة نضال البروليتاريا و الشعوب و الامم المضطهدة اذا لم تجر مقازمتها في الابان
و هذه الاوهام لا تتاتى فقط من التاثيرات الناتجة عن الدعاية البرجوازية الاقطاعية و انما كذلك من الوهن الذي يمكن ان يتردى اليه الشيوعيون في الحقل النظرى فيركنون الى ترديد موضوعات و احكام جاهزة تحفظ عن ظهر قلب ، و يغيب من ثمة في الماركسية طابعها الاشد حيوية ممثلا في روحها النقدية و تجددها الدائم في صلة وثيقة بالمجرى الدافق للحياة ، يقول فريدريك انجلس " ان الاشتراكية منذ ان غدت علما تتطلب ان تعامل كما يعامل العلم ، اى تتطلب ان تدرس ، و الوعى الذى يكتسب بهذا الشكل و يزداد وضوحا ينبغى ان ينشر بين الجماهير بهمة مضاعفة ابدا " [1]، و ما ينطبق على الاشتراكية العلمية كنظرية ينطبق عليها ايضا كتجربة تاريخية واقعية في السياسة و الاقتصاد و الثقافة و الاجتماع الخ ... و التجربة الاشتراكية السوفياتية و بالاخص اسهامات ستالين يجب التعامل معها راهنا على هذا النحو للاعتبارات التالية :
1)    لا تزال شخصية ستالين تثير جدلا صاخبا من حولها بين منوه بماثرها و منكر لكل ما جاءت به
2)    اضحى الموقف من ستالين من بين الحدود الفاصلة بين الشيوعيين من جهة و التحريفيين و سائر الرجعيين من جهة ثانية
3)    غرق التحريفية المعاصرة في ازمتها و تفككها و انهيارها و هى التى استمدت وجودها في معظم الحالات من تنكرها التام لستالين
4)    عودة ستالين بقوة الى واجهة النضال الثورى كرمز و قائد شيوعى بارز في الكثير من البلدان و خاصة في روسيا
5)    الاخفاق التاريخى الكبير للتجربة الاشتراكية الواقعية الذى برغم طابعه المؤقت يطرح على جدول الاعمال القيام بتقييم جدى يستلهم الدروس و يقف عند الانتصارات و الهزائم جميعها .
ان تقييم التجربة التاريخية الاشتراكية و النظر بعمق في مسار الحركة الشيوعية و تبين الاستتباعات المترتبة عن ذلك من المسائل ذات الاهمية البالغة ، فرغم كل ما تم القيام به الى حد هذه اللحظة فان مثل هذا العمل لا يزال في حاجة الى المزيد من الجهد و التعميق فاستيعاب دروس تلك التجربة و الوقوف عند انتصاراتها و هزائمها من شانه ان يوفر اساسا اشد صلابة لخوض المعارك القادمة ، يقول بيان الحركة الاممية الثورية الصادر سنة 1984 " ان الحركة الاممية الثورية و كذلك قوى ماوية اخرى هى الوريثة لماركس و انجلس و لينينين و ستالين و ماو ، و عليها ان تركز بقوة على هذا التراث اساسا لفكرها ، يجب ان تكون لديها الشجاعة الكافية لنقد نواقصه ، فبعض التجارب تستحق الاطراء و البعض الاخر يبعث على اللوعة ، و يتحتم على الشيوعيين و الثوريين في كل البلدان ان يتاملوا و يدرسوا جيدا تلك التجارب الناجحة منها و الفاشلة حتى يستطيعوا ان يستخلصوا منها استنتاجات صحيحة و دروس مفيدة " [2]
و غنى عن البيان ان التقييم المشار اليه يجب ان يستند الى سلاح النقد و النقد الذاتى الذى يمثل اداة هامة تتيح للشيوعيين حل المعضلات التى تواجههم و من ثمة رص صفوفهم و التصدى للتخريب المتعمد الذى ينشط في القيام به الامبرياليون و اعوانهم فالتقييم الجدى و الدراسة الموضوعية انكا يمثلان جانبا هاما من النضال النظرى الذى ينبغى خوضه باستمرار حتى لا تطمس الحدود بين الخطا و الصواب و تختلط السبل فيطغى التشويش النظرى و تغيب الاهداف الكبرى في ظل سيادة ميوعة فكرية تقر هذا الامر او ذاك اليوم لكى تنكره غدا دون ان تجد حتى الجراة لكى تعلل الاسباب التى دعتها الى الانتقال من هذا الموقع الى ذاك ، و لسنا في حاجة الى تقديم امثلة على ذلك فالشواهد من حولنا كثيرة فكم من مجموعة سياسية اعلنت على رؤوس الاشهاد ستالينيتها و شيوعيتها ثم عادت فانكرت كل ذلك[3]
ان تقييم اسهامات ستالين ليس بالامر الهين فبعد ما يقارب نصف قرن من وفاته لا يزال امام الشيوعيين الكثير من الجهد الذى ينبغى بذله للدفاع عن ستالين و ازالة ركام الاكاذيب و الافتراءات التى روجها اعداؤه في كل اتجاه ، و مثل هذا التقييم لا ينبغى ان ندعى فيه اننا نقتحم ارضا لم يتم حرثها قبلنا مطلقا فهذا المقال لا يزعم لنفسه هذه الماثرة فالحركة الشيوعية قيمت في مناسبات عديدة اسهامات ستالين غير ان هذا العمل لا يمكن اعتباره باى حال من الاحوال قد بلغ منتهاه ، فطالما هناك هجوم على ستالين ينبغى العودة باستمرار الى هذا العمل بهدف تطويره و تعميقه خاصة في الظرف الراهن حيث يستفيق الكثير من الناس من حالة الحيرة و التردد التى رافقت تفسخ الامبراطورية التحريفية السوفياتية و حيث تعلن منظمات و احزاب شتى وفاءها لستالين و تشهر سلاح الدفاع عنه، تقول كاترين ديجون عضو اللجنة المركزية لحزب العمال البلجيكى مثلا " اننا نواجه حملة اعلامية واسعة ، تكرر اجهزة الاعلام حتى الان ان ستالين كان اسوؤ مجرم في تاريخ العالم و في كل اسبوع يبث برنامج تلفزيونى ضد ستالين " [4]
بل ان اعداء سابقين لستالين يعلنون الان الندم ازاء ما اقترفوه ، انقرا الشهادة التالية لالسكندر زونيفييف  " كنت عدوا راسخا للستالينية منذ سن السابعة عشرة ، و طغت فكرة قتل ستالين على افكارى و مشاعرى و درسنا الامكانيات التقنية للاعتداء ، و انتقلنا الى مرحلة التنفيذ ، و لو حكم على بالاعدام سنة 1939 لكان قرارهم عادلا ، لقد اعددت خطة لقتل ستالين ، الم تكن هذه جريمة ؟ عندما كان ستالين على قيد الحياة كنت ارى الامور على نحو مختلف ، اما الان عندما استطيع القاء نظرة الى الوراء ، الى هذا القرن ، اقو لان ستالين كان الشخصية الاكبر في قرننا و العبقرى السياسي الاكبر " [5] ، لقد وردت هذه الشهادة في كتاب للمؤلف صدر سنة 1995 و اذا كان لها من معنى فانه ذاك المتمثل في ان الكثير من الناس قد ضللتهم الدعاية التحريفية لوقت طويل حول مسالة ستالين و مسائل كثيرة اخرى فاعتقدوا ان الهجوم التحريفى الخروتشوفي على ستالين منبعه الذود عن الشيوعية ، وقد افتضح طابع ذلك الهجوم الان بصورة مدوية ، لاجل ذلك يجري حاليا و بنسق متصاعد فضح الحملات الدعائية التى استهدف لها ستالين خاصة في روسيا التى لم تعرف سابقا مثل هذه الظاهرة ، حيث تقول نينا اندرييفا زعيمة حزب العمال البلشفى " ان انتقال الحزب الذى اسسه لينين عبر التحول الاشتراكى الديمقراطى الى عدم سياسي راهن و عربدة معاداة الشيوعية في البلاد و النزعة القومية و الشوفينية التى انقضت على السلطة في الجمهوريات ، ان كل هذا قد بدأ تحت راية العداء لستالين ، و قد شنت الحملة بعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتى ، و من المستبعد ان يكون مندوبو هذا المؤتمر قد تاملوا وقتذاك ما ستؤدى اليه تلك الافكار الخروتشوفية المثيرة ، المنطلقة من اسرار الحاشية الكريمنلية و التى سرعام ما اتضح بان اكثرها وليد المكائد و النمائم ، ان الحملة المعادية للستالينية كانت موجهة موضوعيا ضد اللينينية و ضد كل الطرق المعقدة التى اجتازها الحزب و الشعب في بناء الاشتراكية " [6]
و حتى ابنة ستالين التى اغرتها وعود العالم " الحر " و هربت الى الولايات المتحدة الامريكية بعد وفاة والدها و الفت الكتب التى تهجمت فيها على التجربة الاشتراكية السوفياتية فانها اعلنت لاحقا في شهادة مثيرة انها لم تكن غير العوبة في يد المخابرات المركزية الامريكية فهى تقول " عندما اصبحت داخل هذا العالم الحر لم احس بحريتى فيه و لو ليوم واحد ، كنت هناك بين ايدى رجال الاعمال و المحامين و الشخصيات السياسية و الناشرين الذين حولوا اسم ابى و حياتى الى سلعة مثيرة للضجة ، اصبحت في تلك السنوات الجرو المروض المحبوب للمخابرات الامريكيبة " [7]
ان مثل هذه الشهادات التى تضاف الى شهادات اخرى سنتعرض اليها في حينها توفر للشيوعيين مادة هامة يمكن اعتمادها عند العودة مجددا لتقييم اسهامات ستالين دون ان يغرينا ذلك في السقوط الى منحدر النظر الى ستالين نظرة تقديسية تحجب عنا الاخطاء التى وقع فيها ، فستالين لم يدع لنفسه القداسة بل انه نقد هو ذاته بعض اخطائه عندما توضحت له كاخطاء يجب التخلص منها ، من ذلك موقفه من الثورة الصينية قبل انتصارها .
لقد نمت الماركسية اللينينة الماوية  و ترسخ بنيانها في صلة وثيقة باسهامات قادة عظام من امثال ماركس و انجلس و لينين و ستالين و ماو تسي تونغ ، هؤلاء القادة الذين كانت لهم القدرة ليس فقط على انتاج افكار ثورية و انما كذلك وضع تلك الافكار موضع الممارسة و من ثمة اختبار مدى صلابتها و تجاوز ما فيها من نقائص .
و غنى عن البيان القول بان اطروحات و ممارسات ماركسية لينينية ماوية عديدة قد جرت العودة النقدية اليها من قبل معلمى البروليتاريا اتفسهعم فالاشتراكية العلمية ليست عقيدة جامدة كما ان التجارب  الاشتراكية المختلفة ليست بلا نواقص ، و ادعاء ذلك ليس سوى ضرب من ضروب الانتهازية لانه يحول الاشتراكية نظرية و ممارسة الى مقدس لا يطاله النقد ، و هو ما يتعارض تمام التعارض مع الماركسية اللينينية الماوية نفسها .
 و عند التعامل مع اسهامات هذا او ذاك من قادة البوليتاريا الثورية ينبغى الحذر من الوقوع في انحرافين ، يتمثل اولهما في الادعاء ان هؤلاء القادة لم يرتكبوا اى خطا و بالتالي التعامل معهم كما لو انهم الهة لا ياتيها الباطل من امامها او من خلفها ، و ان كانت تلك الالهة لا تخطئ ابدا طالما هى غير موجودة الا في اذهان صانعيها من البشر فان هؤلاء القادة بشر من لحم و دم ، نشاوا في خضم الممارسة الثورية و تاثروا بها و اثروا فيها و من المثالية القول انهم لم يرتكبوا اى خطا ، فهذا التقديس الذى نجده لدى انصاف الثوريين لا يساعد البروليتاريا و الشعوب و الامم المضهدةو على استيعاب الدروس المستفادة و ادراك دلالاتها التاريخية و انما يرمى بها في غياهب الجهل فتظل مقيدة الحركة و عاجزة بالتالي عن تطوير فكرها و ممارستها .
اما الانحراف الثانى فيتمثل في تضخيم الاخطاء و التردى الى العدمية و هو ما ينم عن نزعة تصفوية تنتهى في اخر المطاف الى تجريد البروليتاريا من رموزها التاريخية ، و اللافت للنظر ان هذا الانحراف الاخير يعبر عن ذاته خاصة لدى مثقفين برجوازيين تنتفخ اوداجهم و هم يجلسوت على كراسييهم الوثيرة و في غرفهم المغلقة ينمقون مقالاتهم حول الارهاب الستالينى ، و العديد منهم كان فيما مضى لا يترك اية فرصة تمضى دون الاشادة بالتجربة الاشتراكية السوفياتية و قائدها ستالين ، و عند اول المنعطفات سقط هؤلاء في الطريق و راحوا يتنصلون من ماضيهم بخفة يحسدون عليها و دون خجل يذكر . 


يتبع ........

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق