السبت، 7 مايو، 2011

من الشيوعيين الماويين الايرانيين إلى الرفاق الثوريين فى الشرق الأوسط و شمال أفريقيا - غرّة ماي 2011

شعب تونس و مصر وسوريا و فلسطين... هو شعبنا أيضا! لقد قسّمنا الرجعيون و الإمبرياليون بإقامة الحدود إلاّ أنّ الإضطهاد و الإستغلال المشتركين وحّدا قلوبنا.
  حينما عزّز معذّبو الأرض – العبيد و الفلاحون و العمّال و النساء و غيرهم من المضطهدين- قبضتهم و أطلقوا طاقاتهم من الأرض نحو آفاق التحرّر، بدأ يكتب فصل جديد من التاريخ- فصل لم يعد فيه هؤلاء دون صوت أو دون وجه بل صاروا اللاعبين الأساسيين.

   فى الوقت الذى بدا فيه أنّ النظام الرأسمالي-الإمبريالي العالمي و الأوضاع السائدة التي أرساها فى شتّى البلدان  أبدية و بدت إمكانية عالم آخر بعيدة المنال ، إستهلّت نضالات الشعب فى تونس و مصر فصلا جديدا فى التاريخ و رسمت بسمة على وجوه المضطهَدين و المستغًلين فى العالم.لقد وجهت إنتفاضات هذه الشعوب صفعة كبيرة للجوّ القاتم من اليأس و الوجود " الأبدي" ظاهريّا للوضع السائد الإضطهادي الخانق فى هذه البلدان. و عندما تحوّلت الإحتجاجات الكلامية للأمس إلى تمرّدات غاضبة و باتت العصابات الحاكمة الفاسدة مطروحة أرضا بخزي ، إستهلّت مرحلة مثيرة فى سيرورة التطوّرات فى الشرق الأوسط.و عندما تحرّكت هذه الشعوب بقوّة لتمسك بمصيرها بين يديها ، مثلت نموذجا لمعنى القوّة و الأمل لكافة مضطهدى العالم لأنّها خلقت لحظات جعلت من تحقيق احلام غير ممكنة ظاهريّا أكثر واقعية.

   لقد أضرم محمّد البوعزيزي فعلا برميل البارود فى هذه المنطقة التي بعثت بدورها بموجات إرتدادية إلى البحرين و اليمن و الأردن و الجزائر و سوريا...و وجّهت ضربات مدمّرة للأنظمة العميلة للإمبريالية فى العالم العربي و دفعت ملايين الناس إلى المشاركة فى الحياة السياسية ، فاتحة أبوابا على نموّ طاقتها الهائلة.

   أكثر من أي تيّار إجتماعي و سياسي آخر ، الشيوعيون هم الذين رحّبوا بهذا الإنفتاح الجديد.هذا من جهة و من جهة أخرى ، هزّ تفجّر هذه البراكين الشعبية هزّا لبّ الدول الرجعية فى المنطقة و كذلك الإمبرياليين الأوروبيين و الأمريكان الذين يعتبرون هذه المنطقة مفتاحا لهيمنتهم العالمية.و هم يبذلون جهدهم لأجل تدجين هذه التمرّدات.

  حقّا ألهمت إنتفاضات الشعب فى تونس و مصر مئات الآلاف من الشباب و الشيوخ فى إيران و أفرزت صلب  الشعب الإيراني إحساسا بالصداقة و المصير المشترك مع شعوب هذه البلدان . فقد وجهت هذه التمرّدات ضربة جيدة للأفكار العفنة و الشوفينية المناهضة للعرب التي أنتجها وروّج لها نظام الشاه و كذلك نظام جمهورية إيران الإسلامية. و قد ذكّرت صرخات الشعب فى شوارع تونس و مصر منادية ب " الشعب يريد إسقاط النظام" ، الشباب المناضل و الجسور فى شوارع طهران بأنّه يجب القطع مع  البرنامج و الأهداف الرجعيين لقادة " الحركة الخضراء" – أي " إصلاح النظام" و " إعادة إحياء عصر الخميني" . و ما من شكّ فى أنّ إحتجاجات الشارع المناضل فى طهران و مناطق أخرى و التي صدحت بأعلى صوت " بن علي ،ثمّ مبارك و الآن سيد علي" [ إسم الخامئنى]ألهمتها إنتفاضات تونس و مصر و عبّرت عن الترحيب بها.

  و فى ظروف التمرّد هذه ، تعلّمت جماهير الشعب– سواء كانت إيرانية أم عربية أم لاتينية أم إفريقية أم آسيوية أم أوروبية إلخ- بأنّ المضطهَدين من جنس واحد و أنّ أعداءنا كذلك من جنس واحد. إنّنا ، الشيوعيون الثوريون فى إيران نحيى شعوب تونس و مصر و سوريا و كلّ مكان آخر التي نهضت من أجل أن تقبر الإضطهاد و الإستغلال.و نحن فخورون بها و نثمّن عاليا ما توصّلت إليه هذه الإنتفاضات من مكاسب إلى الآن.

  و النضال من أجل إنجاز ثورة حقيقية بالكاد بدأ. كان بن علي و مبارك مجرّد قادة النظام. و كان نظاماهما يديران جهاز الدولة. و دولتاهما كانتا تحميان نظاما إقتصاديا إجتماعيا إضطهاديا و إستغلاليّا.و قد نهض الشغب لأجل الإطاحة بالنظام القديم و حقّق إنتصارات هامّة.و مع ذلك، يظلّ أمامه طريق متعرّج لأنّ النظام القديم لا زال مهيمنا و لم تقع الإطاحة به ز ونجمت فرص كبرى لولادة عالم جديد. بيد أ،ّ أخطارا كبرى تحفّ هي الأخرى بتمرّدات الشعب الحديثة الولادة.

  و المسألة المطروحة هي : ما هو الطريق للتقدّم و كيف سيكون معبّدا؟ دون شكّ ، ليست إعادة الهزيمة المُرّة للثورة الإيرانية أمرا مفروغ منه. و يمكن لدروس تلك الثورة المهزومة أن تكون ذات قيمة عظيمة للمقاتلين فى بلدان الشرق الأوسط و شمال أفريقيا.حينما هُزمت تلك الثورة ، تمّت إضاعة واحدة من أندر الفرص للتغيير الثوري فى إيران و التغيّر الجذري لوجه الشرق الأوسط. فلنبذل قصارى جهدنا حتى نحول دون تكرار هكذا خسارة بأشكال متنوّعة آملين أن تحتفل شعوب العالم مستقبلا و بفخر بإنتصار ثورة حقيقية فى هذه المنطقة.

هزيمة الثورة فى إيران :

   فى 1979 ، إنتفض الملايين من العمّال و الفلاحين و الطلبة و من القوميّات المضطهَدة و أطاحوا بنظام الشاه الذى ولد نتيجة الإنقلاب الذى نظّمته السى آي آي ضد نظام الد. مصدّق سنة 1953. و قد فاجأ الحدث الكثيرين خاصة و أنّه قبل سنة من ذلك ، صرّح الرئيس كارتر من الولايات المتحدة بأنّ إيران فى ظلّ الشاه " واحة إستقرار فى الشرق الأوسط" . و نتيجة سقوط الشاه ، إهتزّت هيمنة الولايات المتحدة على الشرق الأوسط.

  حين تفجّر المجتمع الإيراني ، صعدت إلى الساحة السياسية عدّة تيّارات مختلفة لتتقدّم بأجنداتها السياسية و الإجتماعية و تتحكّم فى مستقبل شعب إيران. وضمنهم وجد الأصوليّون الإسلاميّون الذين كانوا شركاء فى إنقلاب الشاه-السى آي آي سنة 1953. و تحرّكت القوى الإمبريالية كذلك بيأس و بنشاط لمنع الإطاحة التامّة بتبعيّة الدولة الطبقية الإيرانية للإمبريالية و إجتثاث النظام الرأسمالي من إيران. لذلك إختارت التوحّد مع الأصوليين الإسلاميين و عبّدت الطريق لإستيلاء الخميني و أمثاله و حلفائه على السلطة بغاية ذات أولويةّ هي المساعدة على  تحويل الثورة إلى ثورة مضادة .و بأوامر من الولايات المتحدة ، غيّر جيش الشاه ولاءه فصار فى خدمة الخميني. و بقدر كبير من الأوهام رحّبت الجماهير ببساطة قلب بمدرّعات الجيش و بالجنود، مقدّمة لهم الورود. فمثّل تغيير الشعار الشعبي " الحرّية –الإستقلال" إلى " الحرّية-الإستقلال –الجمهورية الإسلامية" إشارة إلى كارثة بصدد التطوّر غير أنّ الشعب لم يدرك ذلك.

  وإثر سقوط نظام الشاه ، قاد التحالف الأصولي الإسلامي و على رأسه الخميني إلى إعادة هيكلة الطغيان القديم فى شكل جديد من الطغيان الديني. و فى هذا تلقوا دعم الأحزاب البرجوازية التي عارضت نظام الشاه.و فى إستفتاء نظّمه التحالف الحاكم الجديد ، صوّتت غالبية الشعب ب " نعم" لجمهورية إسلامية. و إضافة إلى الجيش ، وقع تنظيم قوّة مسلّحة سمّيت فرق بزداران [الحرس الثوري].و بالإعتماد على الكوادر الأمنية لنظام الشاه – السافاك السيئ الصيت – جرى إصلاح الجهاز الأمني و أعيد تنظيمه. و عوّض الدستور القديم بدستور جديد تيوقراطي أكثر رجعية بمئات المرّات- و مع ذلك فى ظلّ الجمهورية الإسلامية مثلما فى ظلّ نظام الشاه لم تكن للقانون أهمّية .

  و عقب عدّة أسابيع من صعود الخميني إلى سدّة حكم النظام الملكي الإسلامي ، شرع فى هجوم على حقوق النساء و أصدر قرارا بإجبارية لباس الحجاب. و مثّل هذا الهجوم السافر الصعقة الأولى لأوهام الشعب. وبات واضحا – على الأقلّ بالنسبة للنساء الثائرات فى إيران – أنّ ما إفتكّ السلطة ليس الثورة و إنّما الثورة المضادة الخبيثة. و أمر الخميني بالقمع الدموي لحركة العرب فى خوزستان [ جنوب إيران] فهاجم الجيش و فرق بزدران الفلاحين الذين نهضوا للحصول على الأرض و القوميات المضطهَدة التي كانت تطالب بالمساواة القومية فى أماكن مثل تركستان سهرا و كردستان. و هاجمت عصابات حزب الله و القوات الأمنية نقابات العمّال و جمعيات الفلاحين و المنظّمات الطلابية و نقابات الممرّضين و العمّال فى المستشفيات و المعلّمين و الأساتذة فى المعاهد و الجامعات إلخ. و غالبية هذه المنظّمات الجماهيرية التي كانت قويّة شكّلت أثناء التعبئة و التنظيم فلإطاحة بنظام الشاه. و العديد منها كان يقوده الشيوعيون الثوريون الذين خرجوا من السرّية و عادوا من المنافي و كانوا ينظّمون النضالات الثورية و مسك جماهير العمّال و الفلاحين و الجماهير الكادحة بدواليب المجتمع. و إنفجر صراع حاد بين الثورة و الثورة المضادة.

   و كان هذا الصراع يخاض فى إطار وضع عالمي أشمل .حينما نهض الشهب الإيراني للإطاحة بنظام الشاه و أسياده الأمريكان، كانت الثورة المضادة بعدُ تغلق المجال عالميّا. حيث تراجعت الحركات الإجتماعية فى الغرب و قد أخفقت الحركات المناهضة للإستعمار و القومية للخمسينات و الستينات فى آسيا و أفريقيا التي حقّقت إنتصارات فى ظلّ قيادة قوى برجوازية وطنية ، أخفقت ببؤس فى إنشاء مجتمعات " أفضل". و فى غالبية هذه الحركات كانت القوى الشيوعية مهمّشة. و فى عديد الحالات ،حلّت نفسها فى إطار جبهات تقودها القوى البرجوازية أو سحقتها القوى الإسلامية أو الوطنية أو الإمبرياليون أنفسهم [ مثال ، وقع قتل مئات الآلاف من الشيوعيين فى أندونيسيا فى الستينات فى عمليّات مشتركة بين الجيش الأندونيسي و السى آي آي ].

  و من العوامل العالمية الأخرى التي جعلت الوضع غير موات إلى درجة كبيرة للشيوعيين الثوريين هو وفاة ماو تسى تونغ سنة 1976 و ما تلاه من إعادة تركيز الرأسمالية فى الصين الإشتراكية سابقا.و مثّل هذا الحدث أسوأ هزيمة للثورة العالمية. فقد تحوّل بلد كبير ضخم سكّانيّا كان فى السابق حصنا للثورة البروليتارية العالمية ، تحوّل إلى حصن للنظام الرأسمالي العالمي . تغيّرت الصين من بلد يسير على الطريق الإشتراكي إلى بلد رأسمالي خبيث. فكان لهذه الإنتكاسة إنعكاس سيّئ على العالم قاطبة.و ضمن مضطهَدى العالم ضعُف إلى درجة كبيرة الشعور بأنّ الثورة الإشتراكية هي الطريق الوحيد للتحرير. و إنطلقت القوى المتحكّمة فى العالم فى حملات عالمية ،حملات" موت الشيوعية". و إضافة إلى ذلك ، جعل النزاع بين الكتلتين الإمبرياليتين المتصارعتين – الكتلة الغربية بقيادة الولايات المتّحدة  و الكتلة الشرقية بقيادة الإتحاد السوفياتي السابق – الوضع فى منتهى التعقيد.[ حينها كان الإتحاد السوفياتي دولة رأسمالية إمبريالية و الإشتراكية لم تكن سوى قناع ] .

   وزيادة على الوضع غير المواتي ، لعبت كذلك القوى الشيوعية فى إيران دورا سلبيّا – أي أخفقت فى وضع برنامج موحّد للبلاد كافة من أجل الإطاحة بالدولة القديمة و تحطيمها و تركيز دولة جديد ببرنامج ثورة إجتماعية.علّق غالبية الشيوعيين آمالهم على التطوّر العفوي للحركة العمّالية و تحوّلها إلى ثورة إشتراكية. لكن الثورة ليست مسألة عفوية. و إن تُركت إلى العفوية ،فإنّ القوى المنظّمة للطبقات الرجعية بالتأكيد ستمسك بزمام قيادة الجماهير و ستفرض برنامجها السياسي و الإجتماعي. و لم تتعامل القوى الشيوعية مع الطابع التيوقراطي للنظام الجديد تعاملا جدّيا و حتى غضّت الطرف عن تمرّد النساء ضدّه[ تمرّد ضد أمر الخميني بإجبارية لباس الحجاب، دام خمسة أيّام بداية من 8 مارس 1979].و موضوعيّا أكّد الطابع التيوقراطي للدولة على مهمّة خوض الصراعات الإيديولوجية و تطوير نقد جريئ للدين.بيد أنّ القوى الشيوعية فى إيران ، أدارت ظهرها لهذه المهمّة ، معتقدة أنّ المركزي فى نبذ التأثيرات الإيديولوجية للنظام الإسمي سيكون التشديد على " المشاكل الإقتصادية" و آملة أنّه مع " تفاقم سوء الوضع الإقتصادي" سيدخل العمّال فى إضرابات و بالتالى ينجزون إنتفاضة. و نتيجة هذه النظرة كانت نزعة إقتصادوية بحتة ركّزت على الإهتمام مشاكل العمّال " المباشرة" . لكن فى الواقع لإرساء الجمهورية  الإسلامية ، جرى دوس أهمّ حقّ من حقوق العمّال _ أي أنّ الثورة التي حملت فى طيّاتها إمكانية القضاء على الإضطهاد و الإستغلال وقع الإستيلاء عليها و حُرمت الطبقة العاملة من هذه الفرصة التاريخية.و كان هذا هو المشكل الأكثر إلحاحية بالنسبة للطبقة العاملة و القوى الإجتماعية الأخرى المضطهدة و المستغَلّة فى المجتمع. إلاّ أنّه حينئذ لم تكن القوى الشيوعية قادرة على التعبير عن هذه الحاجة و على تمثّلها.

   و ظهر ، فضلا عن ذلك، إنحراف كبير بشأن طبيعة التعارض بين الجمهورية الإسلامية و الإمبريالية الأمريكية. إذ برز خطّ يميني داخل الحركة فصل النضال ضد الإمبريالية عن النضال ضد الحكم الرجعي للقوى الإسلامية.فى حين أنّ القوى الإمبريالية و الطبقات الرجعية " المحلّية" فى الواقع تمثّل لحظتان مختلفتان من نفس النظام الطبقي العالمي و للتناقض بين الأصولية الإسلامية و الإمبريالية الذى ميّز المسرح السياسي فى إيران و الشرق الأوسط ، طابع رجعي و بالفعل يمثّل طرفا هذا التناقض أنظمة إجتماعية رجعية فاسدة ينبغى الإطاحة بها.

  و إجتمعت هذه العوامل الموضوعية و الذاتية و فتحت الطريق أما إستيلاء القوى الأصولية الإسلامية على السلطة فى إيران سنة 1979. و قد جرت معالجة الأزمة الثورية التي أفرزها الصراع الطبقي فى المجتمع على نحو سلبي كانت نتيجته ثلاثة عقود من الآفات عانت منها الطبقة العاملة و الشعب الإيراني و كان لها الوقع السلبي الهائل على تيّار الثورة فى الشرق الأوسط و كذلك عبر العالم إذ هي عزّزت الجوّ العام للثورة المضادة. صحيح أنّ الشيوعيين الثوريين فى غيران كانوا متشتّتين وواقعين فى أزمة سياسية و إيديولوجية غير أنّهم قاتلوا ببطولة لمنع إجهاض الثورة و تحويلها إلى ثورة مضاد. و كانت المعركة على أشدّها بين الثورة و الثورة المضادة فى المصانع و الجامعات و الريف ، وفى نقابات المعاهد و المستشفيات و فى ساحات الحرب الثورية . وفى النهاية تمكّنت الجمهورية الإسلامية من تعزيز سلطتها.
  وبالفعل يعدّ تعزيز النظام التيوقراطي فى إيران حلقة من حلقات الوضع العالمي العام و الهيمنة الإحادية الجانب للثورة المضادة.
  والآن خلقت الإنتفاضات فى تونس و مصر موجة جديدة من الأمل فى العالم. و بوسع النضال فى هذه البلدان أن يقفز إلى مستويات أعلى و يجعل الشعب الثوري يواجه جدّيا الدول الحاكمة برمّتها وهي دول الطبقات الإستغلالية المحلّية المرتبطة بالنظام الرأسمالي العالمي و تستند إلى قوى قانونية و نظامية كالجيش.

إزاء هذا الفصل الجديد من الصراع الطبقي ، ما هي مهام الشيوعيين فى هذه البلدان و كذلك فى كافة المنطقة و فى العالم؟ هل ستستطيع الموجة الجديدة من الصراع الطبقي ن تتخطّى الثورة المضادة و الموجات المناهضة للشيوعية للأربعة عقود الماضية و تضع الثورة على  رأس جدول رجدول أعمال إنتفاضات الشعوب فى الشرق الأوسط و شمال أفريقيا و عبر العالم بأسره و هل ستستطيع أن تفتح أذهان الناس لتقبّل الشيوعية و الثورة الشيوعية بإعتبارها السبيل الوحيد للتخلّص من الأنظمة الرجعية فى هذه البلدان و من النظام الإمبريالي العالمي أيضا؟

إعادة وضع الثورة على راس جدول اعمال الحركات :

   إنّ الثورة مجال للنزاع و التحدّي بين مختلف الطبقات. و قد شاهدنا هذا فى تجربة إيران  و اليوم يمكننا مشاهدة ذلك فى تونس و مصر و البلدان الأخرى التي عرفت نهوضا شعبيّا.
    فى تونس و مصر و بلدان أخرى ، من جهة تسعى مراكز القوى المحلّية و العالمية إلى تهدئة الشعب و إرضائه بتقديم بعض التنازلات المحزنة أو غالبا بتغيير حرّاس النظام. و من جهة أخرى ، هناك فرصة و إمكانية عظيمة لتوجيه مزيد الضربات للنظام القديم و فى النهاية لتحطيمه عبر ثورة حقيقية. و هذان طريقان مختلفان راديكاليّا. لئن كسب الطريق الثاني ، لا ظلّ للشكّ أنّ وجه هذه المنطقة و العالم سيتغيّر لصاح شعوب هذه المنطقة و شعوب العالم. غير أنّه لجعل الطريق الثاني المنتصر ، ينبغى أن يتوصّل ملايين الناس إلى معرفة ما هي الثورة الحقيقية و ما هي طبيعة المجتمع الذى يحتاجون إليه و يريدونه و ما هي طبيعة القيادة الطبقية التي بمقدورها أن تقود نحو تحقيق ذلك. ودون إكتساب الملايين للوعي على هذا النحو و تنظيم صفوفهم للقتال من أجل هذا الهدف ، بإمكان الأعداء أن يبيعوا أي شيء للناس بإسم " الثورة".و قد رأينا هذا فى حال الثورة الإيرانية لسنة 1979. و بالنتيجة ،فى إيران ، ظلّ الوضع جوهريّا على حاله و حتى صار أسوأ. إذا إفتقد الشعب حركة شيوعية ثورية قادرة على تقديم إجابات على " ما الذى نريده" إنطلاقا من موقف البروليتاريا و المضطهَدين و المستغَلين الآخرين فى المجتمع و قيادة الجماهير فى القتال من أجل هذا الهدف ، إذا إفتقدنا ذلك ، فإنّ الطبقات الرجعية و ممثّليها سيفرضون أجندتهم الخاصّة على الجماهير و يقولون لها " ما الذى يجب أن تريد".

     تحطيم هياكل الحكم السياسي برمتها على أيدى شعب ثوري واعي و إنشاء دولة طبقية جديدة تهدف إلى و بإمكانها أن تفتكّ السلطة و ملكية وسائل الإنتاج  من طبقات الرأسماليين و الملاكين العقاريين الكبار و كذلك الإمبرياليين، دولة ستستمرّ فى التخلّص من الإختلافات الطبقيّة و تلغى كافة العلاقات الإجتماعية الإضطهادية. و هذه السيرورة بأسرها عسيرة و دموية و لن تكون ممكنة البلوغ دون حزب ثوري ( حزب شيوعي) و جيش شعبي حقّا.لكن كيف يمكن لهكذا سيرورة أن تنطلق ؟ هل ستظهر حركة شيوعية جديدة أجندتها  المركزية هي قيادة ثورة حقيقية من صلب هذه الحركات الكبرى؟ و هذه مسائل ملحّة تستوجب الإجابة و بإمكان ثوريي هذه البلدان تقديم هذه الإجابة.

مناورات مختلف القوى السياسية و الإجتماعية لتحديد مآل الصراع:

عندما أضحى من الأكيد بالنسبة للقوى الإمبريالية أنّه لم يعد بإمكانها أن تنقذ عملائها بن علي و مبارك ، غدت فجأة مناصرة ل " شعب" تونس و مصر لكي تجد نفسها فى موقع التحكّم  فى الأزمة السياسية فى هذه البلدان و تمسك بالدفّة و تقود " العملية الإنتقالية" إلى نظام جديد. و قد عبّر أوباما عن السعادة لسقوط مبارك. و صرّح سركوزي بنيته إبقاء فرنسا  " دائما" إلى جانب الشعب العربي و فى مواجهة الأنظمة الرجعية فى هذه البلدان! هؤلاء الناس لا يعرفون حدودا للكذب و المغالطات. و الآن تحت قناع " التدخّل الإنساني" يغزون ليبيا وهم منشغلون بصناعة نظام ما بعد قذّافي بجمع بعض الجنرالات و وزراء القذّافي اللئيمين السابقين الذين قفزوا بشناعة خارج السفينة المكسورة. بإختصار ، تعمل القوى الرجعية فى هذه البلدان و يعمل الإمبرياليون جهدهم لتقليص دور الجماهير إلى أدناه و لإيقاف تطوّر وعيها و حركتها من أجل تغيير جذري.

   فى تونس، يسعى بقايا بن علي للمحافظة على خنادقهم . و فى مصر يسعى الجيش الذى كان حجر الزاوية فى نظام مبارك إلى صيانة نظام مبارك دون مبارك. وفى العقود الثلاثة الماضية ، قاد هذا الجيش سيرورات ثلاث: واحدة ،حراسة وجود إسرائيل، و ثانية ،قمع شعب مصر، و ثالثة، فتح حدود مصر أمام الإقتصاد الليبرالي الجديد النزق الذى أدّى إلى فقر و بطالة غير مسبوقين من جهة و تكديس للثروة الطائلة الأسطورية بين يدي الرأسماليين المرتبطين بجهاز الدولة من جهة أخرى.

   و كذلك تحاول قوى إجتماعية رجعية أخرى مثل الإخوان المسلمين أن تركب حركة الشعب و أن تتوصّل إلى صفقة جديدة مع الكتل المهيمنة من الطبقات الحاكمة. صحيح أنّ قوّة الأصوليين الإسلاميين فى مصر ليست كقوّة الأصوليين الإسلاميين فى إيران خلال 1979، إلاّ أنّ هؤلاء الرجعيين يمكن أن يعقدوا صفقة مع الإمبرياليين و إسرائيل- الذين يسعون بيأس إلى تركيز " إستقرار" فى مصر و منع إنتشار النار إلى بلدان أخرى فى المنطقة- و يخرجوا من مقبرة التاريخ و يغدون سادة الشعب. و تتفاوض القوى الأمريكية و الأوروبية مع قادة هذا الحزب و هم يعرضون عليه أن " يعدّل" إسلامه ليتحوّل إلى تنظيم شبيه بحزب العدالة و التنمية التركي و ليستعدّ للمشاركة فى السلطة. من وجهة نظر الإمبرياليين لا يطال هذا " التعديل" البرنامج الإجتماعي للإخوان بل يطال القبول بأمرين إثنين : اوّلا ، الإبقاء على إتفاق كامب دايفد مع إسرائيل و ضمان الوضع القائم لقناة السويس- وهما ركيزتان فى تبعية مصر السياسية و العسكرية للنظام الإمبريالي العالمي- و ثانيا ، عدم إعاقة رأس المال الأجنبي فى مختلف مجالات الإنتاج و السياحة _ أي السلاسل التي تربط مصر بالنظام الرأسمالي العالمي.

  تبيّن الأحداث فى مصر أنّه من أجل الحيلولة دون تحطيم حركة الشعب القادرة على قيادة ثورة حقيقية ، من الضرورة بمكان نقد الدين كبنية للإضطهاد و الإستغلال و نشر هذا النقد على نطاق واسع. و يشمل النضال ضد النظام القديم أيضا تحدّى البرنامج السياسي و الإقتصادي و الإيديولوجي للإخوان و هياكل سياسية إسلامية أخرى فى الشرق الأوسط ( مثل قيادات الحركة الخضراء فى إيران و حماس فى فلسطين و حزب الله فى لبنان إلخ). و اليوم نلاحظ أنّ هذا الوعي يَنبُت فى صفوف الجيل الجديد من المناضلين فى البلدان العربية و بخاصّة ذو دلالة هو رفع الحركة النسوية فى تونس مطلب فصل الدين عن الدولة.
  و من الهام للغاية التوصّل لمعرفة الطرق و الوسائل المعقّدة التي يستعملها الأعداء الطبقيّون. للإمبرياليين و الطبقات الرجعية المحلّية الحاكمة فى بلدان ما يسمّى بالعالم الثالث تجارب كبرى فى منع الحركات الشعبية من بلوغ الإنتصار. و حيثما و كلّما لم تستطع أن تسحق هذه الحركات ، تقدّم خليطا من مختلف القوى الطبقية من النظام القديم بإسم " التغيير" و تدريجيا تعيد تركيز الوضع القديم. و تدمج فى هذا المسار كذلك مساعدة القوى السياسية البرجوازية التي كانت فى الأنظمة السابقة توجد فى موقع " المعارضة".و أحيانا حتى بعض القوى الثورية التي قاتلت لسنوات عدّة للإطاحة بالدول الرجعية و قدّمت تضحيات جسام ، تسقط فى خدعة ما يسمّى " الحلول الديمقراطية" لهذه القوى و تشارك فى ألاعيبها السياسية و على هذا النحو تسبغ الشرعية على السيرورات " الإنتقالية" الرجعية و الإمبريالية و تسعدها على إصلاح نظامها القديم الذى تفكّك بفعل نضالات جبّارة.لنتذكّر السيرورات التي دفع بها الإمبرياليون و دفعت بها القوى الطبقية البرجوازية المحلية فى الفيليبين فى الثمانينات و كذلك فى أندونيسيا فى التسعينات. فى الفيليبين تمّت الإطاحة بماركوس البغيض و فى أندونيسيا بسوهرتو البغيض أيضا. وكان الإثنان على رأس نظامين رجعيين دمويين و فاسدين و دولتين عميلتين للإمبريالية. و تمرّدت جماهير الشعب- من العمّال و الفلاحين و المثقّفين- ضدّهما لكن كذلك قفزت القوى البرجوازية و الرجعية التي كانت فى تعارض مع هتين العصابتين ، قفزت بنشاط إلى المسرح السياسي و عقدت صفقة مع الإمبرياليين و تحصّلت بموجبها على تقاسم للسلطة السياسية و بالمقابل ساعدت على تمرير سيرورة " إنتقالية" كانت تخدم مصالح الإمبرياليين و الرأسماليين الكبار و الملاكين العقّاريين الكبار لهذه البلدان. و أيضا تحوّلت الثورة الإيرانية إلى ثورة مضادة مفزعة بفعل تعاون الإمبرياليين و الأصوليين الإسلاميين و قوى قومية برجوازية.

  إن كان لدي العمّال و الفلاحين و النساء و الشباب و المثقفين فى إيران ، سنة 1979 ، حزبا كالحزب البلشفي بقيادة لينين ( خلال ثورة أكتوبر 1917) أو حزبا مثل الحزب الشيوعي الصيني بقيادة ماو تسى تونغ ( خلال الثورة الصينية التي حقّقت الظفر سنة 1949 ، عقب خوض حرب ثورية إستغرقت سنوات عدّة) ؛ إن كان لدي الشعب حزبا من هذا القبيل بإمكانه على الأقلّ توحيد جزء من الجماهير الناهضة حول برنامج ثورة ديمقراطية جديدة فثورة إشتراكية و بالتعويل على هذه الجماهير ينظّم جيشا أحمر لتحطيم الدولة القديمة – و بخاصة الجيش حجر زاويتها – و صدّ الأصوليين الإسلاميين ، لصارت إيران و لصار الشرق الأوسط بأكمله فى وضع مغاير جذريّا  لما هو عليه الآن.

   وفى السنوات الأخيرة كذلك ،جابهنا  تجاربا مريرة . ففى النيبال ، قادت القوى الثورية بتوجيه من الحزب الشيوعي النيبالي ( الماوي) حرب شعب ملهمة طوال سنوات عشر منذ 1996. لكن إثر الإطاحة بالنظام الملكي / دخلت هذه القوى الثورية فى إتفاقية مع الإمبرياليين و القوى الرجعية و البرجوازية المحلّية و شاركت فى إدارة الدولة.و هكذا ساهمت فى إصلاح ذات النظام القديم ،و هذه المرّة تحت إسم الجمهورية. و لم يشهد وضع الجماهير النيبالية التي قدّمت التضحيات لسنوات عشر تغيّرا و ظلّت البلاد بين براثن النظام الرأسمالي العالمي و طبقات الرأسماليين و الملاكين العقّاريين الكبار شأنها فى ذلك شأن بلدان أخرى بتلك المنطقة.

   و تبرز هذه التجارب أنّ كلّ طريق " وسطي" تنجم عنه إعادة هيكلة لنفس النظام القديم بأشكال جديدة. و لبلدان الشرق الأوسط تجربة كافية فى شتّى صنوف الطرق " الوسطية". و لقد حان الوقت لوضع الثورة – الثورة الحقيقية_ على رأس جدول أعمال هذه المنطقة.
  ليست هناك حدود بين التجارب الحُلوة لإنتصار الثورة و التجارب المُرّة للثورات التي فشلت . إنّما هي تجارب عالمية لأنّ كلاّ من البرجوازية و البروليتاريا طبقتان عالميّتان. و لا داعى لإعادة التجارب المُرّة السابقة, و الآن تراقب شعوب المنطقة ما يحدث فى تونس و مصر لترى هل أنّه بإمكان الشعب فى النهاية أن يقطع " سحر" الهزيمة و يصنع ثورات حقيقية فى هذه المنطقة.

أوهام الطبقات الوسطى :

 لتيّارات الطبقات الوسطى و نظراتها دائما وزن كبير فى الحركات الإجتماعية. و على وجه العموم تنحو هذه الطبقات نحو " الحلول" الوسطية. إنّها تعارض الإطاحة الثورية بالدول برمّتها و ترغب فى تحديد هدف التحرّكات فى مجرّد " إصلاح" الهيكلة السياسية للنظام ذاته. وهي تخشى " تجذّر" التحركات و ظهور قيادة شيوعية. و قد عزّزت الهيمنة الإيديولوجية للثورة المضادة على الجوّ العام فى العالم ، فى العقود الأربعة الماضية، إلى درجة كبيرة هذه التوجّهات فى كافة أنحاء العالم. و قد إعتبرت القوى الإمبريالية ذلك كتيّار إيديولوجي مناسب لمصالحها فدعّمت تطوّره. ومع الهجوم الإيديولوجي للإمبرياليين و أتباعهم من المثقّفين المعادي للشيوعية ، توطّدت هذه النزعات و ساعدت على إنتشار الفكرة الرجعية و الإمبريالية ل" موت الشيوعية".

    وفى الوقت الراهن ، حتى و إن جرى فضح الرأسمالية بكلّ أشكالها فضحا مربكا ، لا سيما عولمتها الليبرالية الجديدة الأخيرة ، فإنّ الأصولية الإسلامية بيّنت وجهها القبيح؛ و أثبتت القوى القومية تهرّبها من أن تدخل أدنى التغييرات لفائدة جماهير المضطهَدين و المستغَلين لكنّها لا تزال بلا خجل تقرع طبول " موت الشيوعية".

   آجلا أم عاجلا سيتحالف الممثلون السياسيون للنزعات الطبقية الوسطية مع الأحزاب السياسية فى السلطة و مع الإمبرياليين. وهم يقومون بذلك سيحاججون دوما بأنّه " ما من مخرج آخر فى الوقت الراهن".و مثال ذلك " الحركة الخضراء" فى إيران التي ظهرت فى 2009 عقب تزوير الإنتخابات من قبل العصابة الحاكمة لأحمدى نجاد ضد ما يسمّى الجناح " الإصلاحي" للجمهورية الإسلامية. و مرّة أخرى ، بيّن تركيز قيادة جناح من أجنحة النظام فى هذه الحركة كيف تقع الطبقات الوسطى تحت قيادة التيارات الرجعية و تحاول أن تجرّ معها كافة الحركة الشعبية. وفى النهاية ستعنى هيمنة هكذا تيّار على أية حركة موتها كحركة تغيير و تحرّر.

  و عن وعي تسعى التيارات السياسية المعبّرة بشكل مركّز عن رؤية الطبقات الوسطى و مشاعرها إلى تحديد مهام الثورات فى إسقاط " الدكتاتوريين" ، لكن على المرء أن يتساءل : ألم تقع من قبل الإطاحة بدكتاتوريين على غرار الشاه و ماركوس و سوهرتو و آخرون أمثالهم؟ أجل تمّت الإطاحة بهم إلاّ أن دولة طبقتهم و نظامها لا تزال قائمة الذات! و الإطاحة بهؤلاء " الدكتاتوريين" مهم للغاية لأنّهم تعبيرات مركّزة عن النظام الحاكم.غير أنّهم لا يمثّلون النظام برمّته. و لو ظلّ نظامهم و ظلّت هيكلة دولتهم على حالها، عاجلا أم آجلا، سيقع إنتاج " دكتاتور آخر". لا يجب أن نختزل " الدكتاتورية" فى الأشخاص الطغاة الذين يمثلون رموز هذه الأنظمة. كافة هذه الأنظمة دكتاتوريات الطبقات الرأسمالية. و دولها دول دكتاتوريات طبقية لهذه الطبقات ضد الطبقة العاملة و الفلاحين و الكادحين الآخرين فى المجتمع.

و حاليا، فى غالبية العام ، يُعدّ غياب قطب شيوعي ثوري ضمن الإنتفاضات الإجتماعية من العراقيل الهام  أمام توجه تحويل هذه الإنتفاضات إلى حركات ثورية. ولا يمكن معالجة هذه القضية بتبنّى الحلول " الوسطية" . و حتى على المستوى " التكتيكي" ، أفضل حلّ لهذه القضيّة هو بناء قطب شيوعي ثوري فى قلب الإنتفاضات الراهنة و عدم إرجاء هذه المهمّة لوقت " لاحق و مناسب أكثر".

الحركة الشيوعية ، حاجة ماسة:

يحاول الإمبرياليون اليوم بمعيّة أطياف متنوّعة من القوى الطبقية ،قدر طاقهم منع الأزمة السياسية الراهنة فى الشرق الأوسط و شمال أفريقيا من التحوّل إلى أزمة ثورية. ما الذى ستفعله طبقتنا- البروليتاريا؟
  إنّ المهمّة الأهمّ و الأكثر إلحاحية بالنسبة للبروليتاريا هي تقديم حلّها الشيوعي والإشارة إلى الطريق الذى يجب سلوكه.  فى الأسابيع العديدة الماضية ، غالبا ما عملت القوى الشيوعية فى الشرق الأوسط على كسب مساندة جماهيرية عبر التحوّل إلى قوى ديمقراطية و ليس عبر النشر الجريئ للنظريات و السياسات الشيوعية و بناء أسس شيوعية فى صفوف العمّال و الجماهير القاعدية فى المدن و الأرياف و النساء و الشباب الثائر و الطلبة المناضلين. لهذا يمكننا أن نقول إنّنا كشيوعيين لم نكن فى غالب الأحيان شيوعيين. هذا من جهة و من جهة أخرى ، كان الأصوليون الإسلاميون الذين تمثّل نظرتهم مجتمعا رجعيّا ظلاميّا يقومون بدعاية حماسية ناشرين إيديولوجيتهم و قيمهم المجتمعية. وبالطبع من الواجب هنا التذكير بأنّهم غالبا ما كانوا يتلقّون الدعم من القوى الإمبريالية و إسرائيل بينما كان الشيوعيون مطاردين و كان عليهم العمل فى السرّية. و مع ذلك لا ينبغى أن ننسى حقيقة تاريخية ألا وهي انّه لم تصبح القوى الشيوعية قطبا فى المجتمع و لم تمدّ جذورها ضمن المضطهَدين و المستغَلين لا سيما الطبقة العاملة ، إلآّ عندما  لم تخف أفكارها و قدمت بجرأة برنامجها المجتمعي و إستراتيجيتها السياسية الثورية لإفتكاك السلطة،على الساحة السياسية .و لم تدّخر جهدا من أجل القيام بذلك.إنّ جماهير المضطهَدين و المستغًلين تقدّرنا – نحن الشيوعيين- لأفكارنا و برنامجنا من أجل بناء مجتمع و عالم مغايرين و ليس ل " ديمقراطيتنا" و تعاطفنا مع مطالبتها بالخبز اليومي. تقديم و نشر موقفنا و طريقتنا و برنامجنا و إيديولوجيتنا الشيوعيين فى صفوف الشعب ليست مهمّة نرجئها للمستقبل. من الحيوي و الملحّ أن نفتح طريقا آخر متباينا مع تلك الطرق التي يروّج لها الإمبرياليون و الرجعيون و القوى البرجوازية.

  لقد خبرت شعوب الشرق الأوسط و شمال أفريقيا أكثر الأشكال الوحشية للإستعمار و الإمبريالية؛ و ذاقت إفلاس القومية فى نسخاتها المتعدّدة ، فكر مصدّق ،فكر عبد الناصر، فكر البعث، فكر عرفات؛ و قد خبرت الأصولية الإسلامية التي إستولت على الحركات المناهضة للإمبريالية فى هذه المنطقة و فرضت على الشعب أكثر العلاقات الإجتماعية و الثقافية الرجعية القروسطية بإسم " طريق التحرير".

  و الحقيقة الكبرى التي تثبتها وقائع العقود العديدة الماضية فى بلدان الشرق الأوسط هي أنّه دون حركة شيوعية ،دون وجود قطب شيوعي فى المجتمع ، لن تكسب جماهير الشعب الوعي الضروري حول لماذا يقترح النظام السياسي الإقتصادي الإجتماعي الرأسمالي ( سواء كان فى شكل جمهورية علمانية أم نظام ملكي أم أنظمة عسكرية) جرائما لا تحصى؟ و ما معنى النظام المجتمعي الجديد؟ و فضلا عن ذلك ، دون الوعي الضروري لا يمكنهم الحكم على الطبيعة الحقيقية للقوى السياسية النشيطة فى الساحة و ما تدعو له و تعد به. دون حركة شيوعية ( و بهذا نقصد حركة شيوعية ثورية تقف فى وجه النظام الحاكم و ليس ما يسمّى أحزابا شيوعية غدت جزءا لا يتجزّأ من سير الأنظمة السائدة) لن تتمكّن الجماهير مطلقا من رؤية نظام سياسي و إقتصادي و إجتماعي مغاير جذريّا- لن تتمكّن مطلقا من معرفة حقيقة الثورات الإشتراكية للقرن العشرين فى روسيا و الصين و التغييرات المذهلة التي طرّأت على الوضع الإنساني.

للقيام بثورة يجب أن يوجد حزب ثوري:

  لأجل قيادة الصراع من أجل الثورة يجب أن يوجد مركز سياسي – لكن ليس أيّ مركز سياسي- يجب أن يوجد مركز مركز له خطّ ثوري – مركز يسطّر الخطوات اليوميّة و عينه على إنجاز ثورة. ليس بوسع البروليتاريا و الجماهير الأخرى المضطهَدة و المستغَلة أن تعبر مظفّرة طريق الثورة المليئ منعرجات و إلتواءات دون أن تملك قيادتها السياسية الخاصّة ، حزبها السياسي. ليس بوسعها أن ترى و تحلّل المصالح الطبقية وراء الوعود و الإدعاءات التضليلية للأحزاب السياسية القائمة بالتعويل فقط على إنفعالاتها.و الحزب السياسي ليس طائفة أو تجمّع سياسي من ضمن تجمّعات أخرى فى المجتمع. إنّه نظرة للعالم و برنامج سياسي و إجتماعي . إنّه طريق.

  الحزب الشيوعي حزب طبقة. و البروليتاريا هي الطبقة التي يعتمد عليها سير المجتمع الإضطهادي. و البروليتاريا نفسها ضحية لسير هذا النظام. لهذا بالإطاحة التامّة بهذا النظام ليس للبروليتاريا ما تخسره سوى قيودها. لكن البروليتاريين كأفراد ليسوا واعين بهذه الحقيقة. و ينحو العديد منهم إلى الدخول تحت جناح برامج الأحزاب البرجوازية. و يجب أن نكون صرحاء و نزهاء مع الجماهير الشعبية. يجب أن نبيّن لها أوهامها و أن نشير إلى أن مستوى الوعي المتدنّى عادة ما يفضى بالجماهير إلى أن تساعد بنزاهة و براءة أعداءها هي. و من مهام الأحزاب البروليتارية أن تجلب هذا الوعي إلى المضطهَدين و المستغَلين و أن تنظّمهم من أجل الثورة البروليتارية.

  و علاوة على ذلك ، لا يمكن أن تحقّق ثورة بروليتارية النصر دون جبهة عريضة تضمّ كافة الطبقات و الفئات الغاضبة.كلّ الذين أقرفهم النظام يمكن أن يجدوا موقعا تحت راية الثورة البروليتارية و يتحدوا مع البروليتاريا دون أن يصبحوا هم ذاتهم شيوعيون. عوض ان تتحد البروليتاريا مع البرامج الديمقراطية البرجوازية لتيارات غاضبة أخرى ، على هذه التيّارات الأخيرة أن تتحد مع البروليتاريا حول برنامج الديمقراطية الجديدة. نعم ، نحتاج إلى جبهة ! غير أنّه ينبغى أن يكون واضحا على أي أساس من الإستراتيجيا السياسية تقام الجبهة ؛ لتعبيد أية طريق،و للقتال من أجل أي برنامج مجتمعي؟ بإختصار :بقيادة أية طبقة ستكون؟

   لنناضل ضد النزعة السائدة فى العالم ، النزعة المناهضة للشيوعية و لقيادة حزب شيوعي. لنشدّد على أنّ جماهير الشعب تحتاج إلى قيادة شيوعية. ذلك أنّ الشيوعيين وحدهم هم الذين يقدّمون حلاّ حقيقيّا لتحرّرها. لنكنس التراب الذى أهاله الإمبرياليون و الرجعيون على أحلام الشعوب فى التحرّر و لنضع جانبا تعلاّت مثل:خطوة خطوة، و بعد تغيير ديمقراطي ، و بعد الإطاحة بالدكتاتوريين إلخ.

مرّة أخرى الثورة ، مرّة اخرى لنحثّ الخطى من أجل إفتكاك ثوري للسلطة:

  يجد الشيوعيون الثوريون اليوم أنفسهم ،فى بلدان الشرق الأوسط و شمال أفريقيا ، ضعفاء و قليلي العدد...و مع ذلك إن قامت هذه القوى الصغيرة ذاتها بالتحليل الصحيح لتجارب القرن العشرين للثورات الإشتراكية فى روسيا و الصين ، و على ضوء تلخيص المكاسب العظيمة المحقّقة و كذلك الهنات الهامّة لهذه الثورات ، يتوصّلون لفهم أكثر تطوّر لطبيعة وروابط المجتمعات الإشتراكية المستقبلية و دول دكتاتورية البروليتاريا؛ و إلى ذلك يحلّلون التغييرات التي حصلت فى الهياكل الإقتصادية –الإجتماعية لمختلف المجتمعات فى المنطقة و على ضوء ذلك يرسمون إستراتيجيا ظفر ثورية لهذه البلدان – عندها يمكن لهذه القوى الصغيرة أن تأثّر تأثيرا ضخما فى الوضع الموضوعي.

  و مهمتنا ليست محدّدة بالوضع القائم. فكلّ وضع يعجّ بالتناقضات و يمكن أن يتغيّر عبر العمل الثوري. و بإمكان المبادرات الجريئة للقوى الشيوعية الثورية – طالما أنّها مرتكزة على الديناميكية الموضوعية – أن تأثّر تأثيرا تغييريّا كالصدمة على الوضع و أن تغيّر معايير الساحة السياسية لصالح ثورة حقيقية.

  و من الواضح أنّ الثوريين لا يستطيعون أن يقودوا ثورة كما يحلو لهم و بالإعتماد فقط على الإرادة. لكن من الواضح أيضا أنّ فى الجوّ العام الإيديولوجي الراهن الذى صاغته عقود عديدة من الحملات العالمية ل" موت الشيوعية" و " موت الثورة" ، الخطر الأساسي ليس الإرادة و المبالغات الثورية. وفى الوقت الراهن، تعدّ " الواقعية" التيّار الرائج. كما صار رائجا أيضا  تقديم تنازلات للأصوات " الديمقراطية" و دعوة الشيوعيين للهدوء و تبنّى رؤية وبرنامج الديمقراطيين.
 بيد أنّه لا يمكن للشيوعيين و لا ينبغى عليهم أن يمضوا مع هذا التيّار لأنّ ملايين الناس طفقوا يشاركون فى الحياة السياسية و فى هذا المجال المضطرب يبحثون عن طريق ؛و هم ينظرون إلى مستقبل له مغزى – مستقبل ممكن فقط عبر تغييرات ثورية إشتراكية.

الثورات الإشتراكية للقرن العشرين و ما بعدها :

من واجب الشيوعيين فى العالم فى إتحاد مع شيوعيي تونس و مصر و سوريا و فلسطين ... أ، يصرخوا بأنّ الإشتراكية أفضل ألف مرّة من الرأسمالية و بأنّ الشيوعية التي هي هدفنا النهائي وقوامه أفضل مئات المرّات المضاعفة من الإشتراكية.لقد مثّلت الثورات الإشتراكية للقرن العشرين إنتصارات كبرى من أجل تحرير الإنسانية ز وفى ظلّ قيادة الشيوعيين الثوريين و عبر إنجاز الثورة الإشتراكية ، جرى تحرير الصين. و قبل ذلك ،كانت بلدا يعدّ مئات الملايين من الفلاحين الذين ينهشهم الجوع و تنهشهم العبودية، و نساء عبيد للرجال و كانت مدن كبرى مثل شنغهاي يتقاسمها المستعمرون الفرنسيون و البريطانيون و الألمان و على مطاعمها كانت تكتب " ممنوع على الكلاب و الصينيين" !
قبل الثورة الإشتراكية لسنة 1917 ، كانت روسيا ترزح تحت نظام إقطاعي قاسي و كان يحكمها الطغيان القيصري. و كان الإضطهاد القومي على درجة من القبح و الإنتشار فى روسيا بحيث قيل إنّها كانت " سجن الأمم". وكان عمّال المصانع يموتون بسبب موض السلّ بنسب عالية فى مساكنهم بالحياء الفقيرة.

 و قبل الثورة الإشتراكية ، كانت الصين ترزح تحت نير الإستعمار و الإقطاعية. و كانت بلدا جائعا و كذلك متخلّفا تغلغل  فى أوصاله الدين و الخرافات. وبفضل الثورة تخلّص المجتمع من كافة هذه الآفات فى غضون بضعة سنوات. و بفضل الثورات الإشتراكية ، أنجزت روسيا و الصين فى سنوات قليلة ما أنجزته البلدان الأوروبية فى قرون . قارنوا هذه التعييرات التي لا تصدّق بالحركات المناهضة للإستعمار فى الخمسينات و الستينات فى آسيا و أفريقيا و التي كانت تحت قيادة القوى القومية. و أفرزت هذه الحركات حماسا و أملا كبيرين لكنها لم تقدر أبدا أن تجتثّ العلاقات الإقطاعية المتخلّفة و القطع مع النظام الرأسمالي العالمي. و إثر صراعات كبرى و تضحيات جسام من قبل الشعب أعيدت هيكلة أنظمة الإضطهاد و الإستغلال بوجه مغاير.

   و الآن لننظر إلى حال إيران . ركبت القوى السياسية الإسلامية ظهر الحركة الشعبية المناهضة للنظام الملكي و توصّلت إلى السلطة.و لم تحافظ على أسس النظام عينه فحسب بل جعلته أسوأ حتى. و الفرق بين الثورة الإشتراكية و " الثورات" الأخرى فرق شاسع نوعيّا. يجب الإعتراف بهذه الحقيقة و نشرها بجرأة و زرعها فى وعي ملايين الجماهير. و أيضا يجب الإعتراف بأنّ هذه البلدان الإشتراكية لم تقدر على تجاوز تواصل العلاقات البرجوازية و إعادة إنتاجها وواجهت محاصرة النظام الرأسمالي العالمي. وفى النهاية ، جرت إعادة تركيز الرأسمالية فى تلك البلدان و قُبرت الإشتراكية. و اليوم من الممكن رؤية أنّ الصين غدت مجتمعا من أكثر المجتمعات إستغلالا و إضطهادا على الأرض. و المسألة ليست مسألة ما إذا كانت الإشتراكية نظاما إجتماعيّا أرقى و إنّما هي مسألة كيف نبنى المجتمعات الإشتراكية المستقبلية على نحو أفضل من المجتمعات الإشتراكية التي عرفها القرن العشرون؟ كيف يمكننا أن نصدّ خطر إعادة إنتاج العلاقات الإضطهادية و الإستغلالية و أن نحافظ على هذه المجتمعات فى وجه هجمات البرجوازية و النظام الرأسمالي العالمي و فى نفس الوقت نبقيها مجتمعات ديناميكية و نابضة حيوية.

أي نوع من الثورة و فى ظلّ أي نوع من القيادة :  

لقد أدرك العديد من الشباب المناضل فى البلدان العربية أثناء هذه التجربة القصيرة للأشهر القليلة الماضية حقيقة أنّ النظام    ( المتكوّن من قيادات و مؤسسات سياسية و إقتصادية ) لن يغيّر من طرق ووسائل إضطهاده و إستغلاله. و هكذا، يبحث عن إجابة على " ما العمل؟ ". و يجب على القوى الشيوعية الثورية لهذه البلدان أن تقدّم الإدابة. و إذا لم يعالج هذا المشكل ، عاجلا أم آجلا ستبخّر طاقة الشباب و أمله ، هذا الشباب الذى مثّل القوّة المحرّكة فى هذه الإنتفاضات. و المنتصرين فى هذه اللعبة سيكونون من القوى الطبقية التي تستعمل إيديولوجية طبقتها و برنامجها المجتمعي و التي تستنهض و تنظّم قاعدتها الإجتماعية حول تلك الإيديولوجيا و ذلك البرنامج المجتمعي.

   هذا من جهة و من جهة أخرى ، إذا وقع ربط الشباب الثوري بالرؤية الشيوعية لتصبح قوام نضالاته ، فإنّ الحركات فى هذه المنطقة ستشهد تغيرا نوعيا هائلا و سيقع كسب فرص ثورية عظيمة. كيف يتواصل النضال؟ بأي أهداف؟ ما هي الثورة التي نحتاج إليها و ما هي القيادة الثورية اللازمة ؟ كيف نخرج هذه المجتمعات من أحابيل براثن الإمبريالية و كيف نوفّر نظاما سياسيا و إقتصاديّا و إجتماعيّا فى إطار محاصرة الإمبريالية العالمية؟
   هذا النوع من الأسئلة ينبغى على كلّ حزب ثوري أن يقدّم لها الإجابات. و يتعيّن على حزب يطمح لإنجاز ثورة أن يحلّل حدود الحركات الراهنة و أوهامها و ينهض و يقود الجماهير لتحدّى النظام بأكمله و فتح المجال للتطورات و نشر التيّار الشيوعي الثوري فى المنطقة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق